
تجد كثير من الأمهات أنفسهن أمام موقف متكرر، وهو أن الطفل يعود إلى فعل سلوك سبق منعه منه، حتى بعد شرح خطئه أو معاقبته عليه. وقد يبدو الأمر في البداية وكأنه تحدٍ متعمد أو عناد، لكن تكرار السلوك قد يرتبط بأسباب تربوية ونفسية وطبيعية مرتبطة بمرحلة نمو الطفل.
وتوضح الدكتورة عبلة إبراهيم، أستاذ التربية ومستشارة العلاقات الأسرية، أن فهم الدافع وراء السلوك يساعد الوالدين على اختيار طريقة التعامل المناسبة، بدلًا من الاعتماد على العقاب في كل مرة.
لماذا يكرر الطفل السلوك الممنوع؟
العقاب لا يعلّم الطفل البديل الصحيح
من أبرز الأسباب أن العقوبة قد تخبر الطفل بأن تصرفه غير مقبول، لكنها لا تشرح له دائمًا ما الذي ينبغي فعله بدلًا منه.
فعلى سبيل المثال، الطفل الذي يضرب شقيقه عندما يشعر بالغضب يحتاج إلى تعلم وسائل أخرى للتعبير عن مشاعره، مثل التحدث عما يزعجه أو الابتعاد عن الموقف أو طلب مساعدة أحد والديه.
لذلك، فإن الاكتفاء بالعقاب قد لا يعالج السبب الأساسي للسلوك، بينما يساعد توجيه الطفل إلى بديل واضح على تدريبه تدريجيًا على التصرف بطريقة مختلفة.
الفضول يدفع الطفل إلى التجربة
يمثل الفضول جزءًا طبيعيًا من مراحل نمو الطفل، إذ يميل إلى اكتشاف الأشياء ومعرفة نتائج أفعاله بنفسه.
وقد يؤدي المنع المتكرر دون شرح السبب إلى زيادة رغبته في تجربة السلوك مرة أخرى، خصوصًا إذا كان لا يفهم لماذا أصبح الشيء ممنوعًا.
ولهذا، من الأفضل أن يكون المنع مصحوبًا بتفسير بسيط يتناسب مع عمر الطفل، مثل توضيح أن الشيء ساخن أو قابل للكسر أو قد يسبب له الأذى.
السلوك المزعج قد يكون وسيلة لجذب الانتباه
في بعض الحالات، قد يكتشف الطفل أن ارتكاب السلوك الممنوع يجعله محور اهتمام والديه، خاصة إذا كان يحصل على تفاعل سريع وكبير عند ارتكاب الخطأ.
وهذا لا يعني بالضرورة أن الطفل يخطط بوعي لإزعاج والديه، لكنه قد يتعلم مع الوقت أن بعض التصرفات تؤدي إلى الحصول على قدر أكبر من الاهتمام.
ومن المفيد لذلك ألا يقتصر اهتمام الوالدين على أخطاء الطفل، بل ينبغي أيضًا ملاحظة سلوكه الجيد ومدحه عندما يتعاون أو يلعب بهدوء أو يلتزم بالقواعد.
عدم ثبات القواعد يربك الطفل
عندما تمنع الأم سلوكًا معينًا بينما يسمح به الأب، أو عندما يتم تجاهل السلوك في بعض الأيام ومعاقبة الطفل عليه في أيام أخرى، يصبح من الصعب على الطفل معرفة الحدود الفعلية.
وقد يدفعه ذلك إلى الاستمرار في تجربة السلوك لمعرفة رد فعل والديه في كل مرة.
لذلك، تحتاج الأسرة إلى وضع قواعد واضحة ومحدودة، مع محاولة توحيد طريقة التعامل معها. والثبات في القواعد لا يعني القسوة، وإنما يساعد الطفل على معرفة ما هو متوقع منه وما النتائج المترتبة على تصرفاته.
بعض التصرفات تتجاوز قدرة الطفل على التحكم
لا يمتلك الأطفال، خصوصًا في السنوات الأولى، القدرة نفسها التي يمتلكها البالغون على التحكم في الانفعالات والاندفاعات.
فقد يعرف الطفل أن الضرب خطأ، لكنه عندما يشعر بالغضب الشديد قد يجد صعوبة في السيطرة على تصرفه في اللحظة نفسها.
ولهذا فإن تكرار السلوك لا يعني بالضرورة أن الطفل لم يفهم القاعدة، فقد يكون بحاجة إلى مزيد من التدريب والمساعدة حتى يتمكن من تطبيقها عندما تشتد مشاعره.
ومن المهم أن تكون توقعات الوالدين متناسبة مع عمر الطفل ومرحلة نموه، مع تكرار التوجيه والتدريب بدلًا من انتظار تغير السلوك بعد موقف واحد.
السلوك المتكرر قد يخفي احتياجًا آخر
أحيانًا يكون السلوك المزعج وسيلة غير مباشرة يعبر بها الطفل عن شيء لا يستطيع وصفه بالكلمات.
وقد تظهر تغيرات سلوكية بعد أحداث مثل انتقال الطفل إلى مدرسة جديدة، أو ولادة شقيق، أو تغير روتين المنزل، أو وجود توتر داخل الأسرة.
كما يمكن أن تزيد نوبات الغضب والعناد عندما يكون الطفل متعبًا أو جائعًا أو لا يحصل على قدر كافٍ من النوم.
ولهذا يمكن للوالدين ملاحظة توقيت السلوك وما يحدث قبله وبعده، لأن هذه التفاصيل قد تساعد في اكتشاف السبب الذي يدفع الطفل إلى تكراره.
ماذا تفعل الأم بدلًا من تكرار العقاب؟
يمكن البدء بتحديد السلوك غير المقبول بصورة واضحة، ثم شرح سبب رفضه بطريقة تناسب عمر الطفل، مع تقديم بديل عملي يمكنه القيام به.
فإذا كان الطفل يرمي ألعابه، يمكن توضيح أن اللعب لا يعني إلقاء الأشياء، ثم مطالبته بإعادتها إلى مكانها ومساعدته على تنفيذ ذلك.
ومن الأفضل أيضًا أن تكون النتيجة مرتبطة بالسلوك نفسه قدر الإمكان. فإذا استخدم الطفل لعبة بطريقة أدت إلى إتلافها، يمكن إيقاف استخدامها لفترة مناسبة مع توضيح السبب، بدلًا من فرض عقوبة لا علاقة لها بالتصرف.
كما يحتاج الطفل إلى فرصة للمحاولة مرة أخرى، لأن الهدف الأساسي من التربية هو مساعدته على تعلم ضبط النفس وفهم نتائج أفعاله، وليس فقط دفعه إلى الخوف من العقوبة.
كيف تساعد القواعد الواضحة على تعديل سلوك الطفل؟
تساعد القواعد البسيطة والثابتة الطفل على معرفة الحدود التي ينبغي الالتزام بها، خاصة عندما يتفق الوالدان على طريقة واضحة للتعامل مع السلوكيات المتكررة.
ويُفضل أن تكون التعليمات محددة ومباشرة، وأن يعرف الطفل ما المتوقع منه بدلًا من الاكتفاء بتكرار عبارات المنع مثل «لا تفعل» دون توضيح البديل.
كما أن تعزيز السلوك الجيد بالمدح والاهتمام يمكن أن يساعد الطفل على إدراك أن التصرفات الهادئة والتعاونية تحظى أيضًا باهتمام الوالدين.
التربية لا تعتمد على العقاب وحده
تكرار الطفل للسلوك الممنوع لا يعني بالضرورة أنه يتعمد تحدي والديه أو أنه لم يفهم أن التصرف غير مقبول. فقد يكون السبب عدم معرفة البديل، أو الفضول، أو البحث عن الاهتمام، أو عدم ثبات القواعد، أو صعوبة التحكم في الانفعالات.
ولهذا، فإن التعامل مع السلوك من خلال فهم سببه، ووضع حدود واضحة، وتقديم بدائل مناسبة، وتعزيز التصرفات الإيجابية، قد يكون أكثر فائدة من الاعتماد المتكرر على العقاب وحده.
ويبقى الهدف الأساسي هو مساعدة الطفل على اكتساب مهارات التحكم في نفسه وفهم نتائج أفعاله بصورة تدريجية، بما يتناسب مع عمره ومرحلة نموه.





