
استعرض الدكتور وسيم السيسي، خلال كلمته بالمؤتمر الطبي الثالث لكلية الطب بالقوات المسلحة، تاريخ الطب في مصر القديمة، وما حققه المصريون القدماء من إنجازات علمية وطبية متقدمة في مجالات الجراحة وعلاج الجروح وجراحات المخ والأعصاب وطب العيون والأسنان، مؤكدًا أن الحضارة المصرية القديمة أسهمت في تأسيس العديد من العلوم الطبية، وأن بعض الممارسات العلاجية التي عرفها المصري القديم لا يزال العالم يستفيد منها حتى الآن.
جاء ذلك خلال فعاليات المؤتمر الطبي الثالث لكلية الطب بالقوات المسلحة، بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث قدم عالم المصريات عرضًا تاريخيًا استند فيه إلى البرديات الطبية والجداريات والآثار والأدوات الجراحية، مستعرضًا شواهد تؤكد ما وصل إليه المصريون القدماء من معرفة طبية متقدمة.
وتناول وسيم السيسي مكانة مصر القديمة في تاريخ العلوم، مستشهدًا بما ذكره عدد من المفكرين والباحثين بشأن تأثير الحضارة المصرية في الحضارات الأخرى، ومن بينهم أفلاطون وهوميروس والباحث في علم المصريات وارين داوسون.
وسلط الضوء على شخصية إيمحوتب، الذي يعني اسمه القادم في سلام، باعتباره أحد أقدم الرموز الطبية المعروفة في التاريخ، مشيرًا إلى ما نُسب إليه من وصف للنبض باعتباره تعبيرًا عن نشاط القلب في الأوعية الدموية الطرفية.
ولفت إلى أن الطبيب البريطاني جاميسون هاري دعا إلى اتخاذ إيمحوتب رمزًا لمهنة الطب بدلًا من أبقراط، تقديرًا لمكانته التاريخية وإسهاماته المبكرة في المعرفة الطبية.
البرديات والجداريات توثق تقدم الطب المصري القديم
وأوضح السيسي أن البرديات الطبية والجداريات والأدوات الجراحية تمثل أبرز المصادر التي تكشف عن طبيعة الممارسات الطبية في مصر القديمة، مشيرًا إلى عدد من الوثائق التي سجلت هذه المعارف، ومنها بردية إدوين سميث، وبردية إيبرز، وبردية برلين، وبردية هيرست، وبردية تشستر بيتي.
كما استعرض النقوش والرسوم التي توثق الأدوات الجراحية التي استخدمها المصري القديم، ومن بينها الأدوات المحفورة على جدران معبد كوم أمبو، والتي تعكس تنوع الوسائل المستخدمة في العمليات والممارسات العلاجية.
خياطة الجروح والعسل.. وسائل علاج عرفها المصري القديم
وفيما يتعلق بعلاج الجروح، استعرض السيسي ما وصل إليه المصريون القدماء من تقدم في استخدام الخيوط الجراحية، موضحًا أنهم استخدموا خيوط الكاتجوت المستخلصة من الأمعاء، إلى جانب خيوط الكتان في خياطة الجلد.
وأشار إلى استخدام العسل في علاج الجروح، لما يمتلكه من خصائص تساعد على الحد من نمو البكتيريا، فضلًا عن الاستعانة بمواد أخرى، من بينها لباب خبز الشعير المتعفن.
واستشهد بالدراسات التي أجراها الدكتور بول غليونجي والأستاذ الدكتور أحمد عمار بشأن هذا العفن، وما تناولته من وجود عفن البنسلين، في إطار استعراضه لقدم المعرفة المصرية بوسائل مكافحة العدوى والتعامل مع الجروح.
جراحات المخ في مصر القديمة.. شواهد أثرية ودراسات مقارنة
وتطرق السيسي إلى الأدلة التي تشير إلى إجراء المصري القديم عمليات التربنة، وهي فتح ثقوب في الجمجمة لأغراض علاجية، موضحًا أن التئام حواف العظام وظهور علامات نمو العظم حول موضع الفتحة يمثلان دليلًا على نجاة بعض المرضى بعد إجراء هذه العمليات.
كما استعرض دراسة مقارنة أجراها البروفيسور بيتر هاتشينسون، أستاذ جراحة المخ والأعصاب بمستشفى أديبروك في كامبريدج، تناولت أساليب التعامل مع إصابات الرأس، وقارنت بين الطريقة التقليدية المستخدمة في إنجلترا وأسلوب يعتمد على فتح ثقوب بالجمجمة لتخفيف الضغط الناتج عن تجمع الدم.
وأوضح أن الدراسة، وفقًا لما عرضه خلال المؤتمر، أظهرت تحسنًا في نتائج إنقاذ المصابين بنسبة 20% لصالح الأسلوب الذي استعرضه، مشيرًا إلى تناول صحيفة ديلي ميل البريطانية لهذه النتائج، وإبراز أهمية بعض الممارسات الطبية التي عرفتها مصر القديمة.
من البلهارسيا إلى فيروس سي.. إشادة بجهود الدولة المصرية
وانتقل السيسي إلى الحديث عن استخدام المصريين القدماء مركبات الأنتيمون في العلاج، مستعرضًا تاريخ التعامل مع الأمراض المرتبطة بالبلهارسيا ومضاعفاتها الصحية، ومن بينها فيروس الالتهاب الكبدي الوبائي سي.
ووجه التحية للرئيس عبد الفتاح السيسي، تقديرًا لجهود الدولة المصرية في القضاء على فيروس سي من خلال المبادرات الصحية وتوفير العلاج بعقار سوفالدي، مشيرًا إلى امتداد جهود العلاج لتشمل عددًا من الدول الإفريقية، وهو ما قوبل بتصفيق الحضور.
تثبيت المفاصل والأطراف الصناعية.. شواهد على تقدم جراحة العظام
وفي مجال جراحة العظام، كشف السيسي عن شواهد أثرية تعكس معرفة المصري القديم بتقنيات متقدمة، مستعرضًا مومياء محفوظة بالمتحف البريطاني أظهرت الفحوص التصويرية لها وجود مسمار حلزوني لتثبيت مفصل الركبة.
كما عرض نموذجًا لطرف صناعي قديم صُنع لسيدة تعرضت لبتر في القدم، معتبرًا أن هذا النموذج يكشف عن اهتمام المصريين القدماء بتعويض المصابين ومساعدتهم على استعادة القدرة على الحركة.
وربط هذه الشواهد باهتمام الدولة المصرية في الوقت الحالي بالأشخاص ذوي الإعاقة والعمل على تطوير الخدمات المقدمة لهم.
علاج المياه البيضاء وصناعة العيون الزجاجية في مصر القديمة
وفيما يخص طب العيون، أكد السيسي أن المصريين القدماء حققوا تقدمًا في تشخيص أمراض العيون وعلاجها، مشيرًا إلى أن الملك الفارسي كورش طلب الاستعانة بأطباء مصريين لإجراء عملية لعلاج المياه البيضاء عام 550 قبل الميلاد، وفقًا لما أورده خلال كلمته.
كما تناول دلالات رمز العين في الثقافة المصرية القديمة وعلاقته بالعلامة الطبية المستخدمة في الروشتات، إلى جانب معرفة المصريين القدماء بصناعة العيون الزجاجية لأغراض تجميلية وتعويضية.
زراعة الأسنان وعلاج التسوس قبل آلاف السنين
واستعرض السيسي تاريخ طب الأسنان في مصر القديمة، مشيرًا إلى شخصية حسي رع، الذي يعد من أقدم الشخصيات المعروفة في هذا المجال خلال الأسرة المصرية الثالثة.
وأوضح أن المصريين القدماء استخدموا أسلاك الذهب لتثبيت الأسنان المتحركة، كما تناول شواهد تاريخية على محاولات زراعة الأسنان، واستخدام مواد طبيعية في حشو الأسنان والتعامل مع التسوس، من بينها العسل والصمغ العربي وكبريتات النحاس، بما يعكس تطور المعرفة الطبية المصرية في مجال طب الأسنان.
معرفة المصريين القدماء بأمراض القلب
كما أشار إلى أن المصريين القدماء كانت لديهم معرفة بأمراض القلب والأعراض المرتبطة بها، وأن النصوص الطبية القديمة تضمنت إشارات إلى خطورة بعض الحالات القلبية، وهو ما يعكس إدراكهم المبكر لأهمية القلب ودوره في حياة الإنسان.
شامبليون وأحمد شوقي.. شهادات على عظمة الحضارة المصرية
واختتم الدكتور وسيم السيسي كلمته باستحضار مقولة عالم المصريات الفرنسي جان فرانسوا شامبليون، الذي فك رموز الكتابة الهيروغليفية، وعبر فيها عن عظمة الحضارة المصرية القديمة، مؤكدًا أن الخيال يعجز ويسقط بلا حراك أمام أقدام هذه الحضارة.
كما استشهد بأبيات أمير الشعراء أحمد شوقي التي تتغنى بعظمة البناء المصري وخلود الحضارة، قائلًا:
«وبَنَيْنَا فَلَمْ نُخَلِّ لِبَانٍ وَعَلَوْنَا فَلَمْ يَجُزْنَا عَلَاءُ»
«قُلْ لِبَانٍ بَنَى فَشَادَ فَغَالَى لَمْ يَجُزْ مِصْرَ فِي الزَّمَانِ بِنَاءُ»





