أمومة وطفولةاهم الأخبار

احتواء المشاعر أم الحزم؟ كيف تحققين التوازن في تربية الأبناء؟

تُعد تربية الأبناء من أكثر المهام التي تتطلب وعيًا ومرونة، إذ تواجه الأم مواقف مختلفة تحتاج فيها أحيانًا إلى وضع حدود واضحة، بينما تتطلب مواقف أخرى الاستماع إلى الطفل وفهم مشاعره قبل تقديم أي نصيحة أو توجيه.

وأكدت الدكتورة عبلة إبراهيم، أستاذ التربية ومستشارة العلاقات الأسرية، أن التحدي الذي تواجهه الأمهات لا يرتبط بمدى حبهن لأبنائهن، وإنما بقدرتهن على تحديد الموقف الذي يستدعي الحزم، والموقف الذي يكون فيه احتواء المشاعر أكثر فاعلية.

وأوضحت أن الحزم لا يعني القسوة، كما أن الاحتواء لا يعني التدليل أو السماح بالسلوكيات الخاطئة، مشيرة إلى أن التربية السليمة تعتمد على تحقيق التوازن بين الحب والحدود.

متى يكون الحزم ضروريًا مع الأبناء؟

1- عند مخالفة القيم والمبادئ

هناك بعض السلوكيات التي تحتاج إلى موقف واضح من الأم، مثل الكذب، والعنف، والتنمر، وإيذاء الآخرين، أو عدم احترام أفراد الأسرة.

وفي هذه الحالات، يجب أن تصل للطفل رسالة واضحة مفادها أن حب الأم له لا يعني قبول السلوك الخاطئ.

ويمكن للأم أن تفرق بين الطفل والتصرف الذي قام به، فتوضح له أنها تحبه، لكنها في الوقت نفسه ترفض ما فعله وتشرح له النتائج المترتبة على سلوكه.

2- عند محاولة اختبار القواعد

يميل الأطفال والمراهقون في مراحل مختلفة إلى اختبار الحدود الموضوعة لهم، فقد يكرر الطفل طلبه بعد رفضه، أو يحاول المراهق التأثير على قرار والدته من خلال الغضب أو الإلحاح.

وفي حال كانت القاعدة التي وضعتها الأم ضرورية ومناسبة، فإن الاستسلام للضغط في كل مرة قد يجعل الابن يعتقد أن الغضب أو الإصرار وسيلة لتغيير القرارات.

لذلك، يكون الثبات مهمًا، لكن دون اللجوء إلى الصراخ أو التهديد، فالهدوء مع وضوح الموقف قد يكون أكثر تأثيرًا من رفع الصوت.

3- عندما يتعلق الأمر بسلامة الطفل

تحتاج القواعد المرتبطة بأمان الأبناء إلى قدر أكبر من الحزم، سواء تعلقت بالخروج من المنزل، أو التعامل مع الأشخاص الغرباء، أو استخدام الإنترنت، أو الالتزام بموعد العودة.

وقد يعترض المراهق على بعض هذه الحدود، لكن دور الأم هو توضيح أن الهدف منها حمايته وليس التحكم في حياته.

ومن المهم الاستماع إلى وجهة نظر الابن ومناقشته، مع الحفاظ على القواعد التي تضمن سلامته.

4- عند تكرار السلوك الخاطئ

قد يحتاج الخطأ الأول إلى التفسير والنصيحة، لكن استمرار التصرف نفسه رغم معرفة عواقبه يستدعي وضع نتيجة واضحة ومنطقية.

فمثلًا، إذا لم يلتزم الطفل بواجباته، يمكن تقليل وقت الترفيه إلى أن ينتهي منها، وإذا أساء استخدام الهاتف، يمكن تنظيم وقت استخدامه بدلًا من اللجوء إلى عقاب مبالغ فيه.

والهدف من الحزم هنا هو تعليم الطفل أن الحرية ترتبط بتحمل المسؤولية، وأن لكل سلوك نتيجة.

متى يحتاج الأبناء إلى الاحتواء؟
1- عندما يمرون بحالة حزن أو انكسار

قد يعود الطفل من المدرسة حزينًا بسبب موقف تعرض له، أو تشعر الفتاة بالألم نتيجة خلاف مع صديقتها، أو يمر الابن بحالة إحباط بعد نتيجة لم تكن على توقعاته.

في مثل هذه اللحظات، قد يكون الاستماع والاحتواء أكثر أهمية من توجيه اللوم أو تقديم النصائح مباشرة.

ومن الأفضل أن تبدأ الأم بإظهار تفهمها لمشاعر ابنها، ثم تناقش معه الحلول بعد أن يهدأ ويصبح أكثر استعدادًا للاستماع.

2- عندما يخفي السلوك مشكلة عاطفية

لا يكون التصرف المزعج دائمًا مجرد عناد أو رغبة في مخالفة القواعد، فقد يكون الغضب أو العصبية أو الانعزال انعكاسًا للخوف أو الغيرة أو الضغط أو الإحساس بالفشل.

ولا يعني فهم السبب وراء السلوك السماح به، بل يمكن للأم أن ترفض التصرف وفي الوقت نفسه تحاول معرفة المشاعر التي تقف خلفه.

فيمكنها مثلًا أن توضح للطفل أنها لا تقبل الصراخ، لكنها مستعدة للاستماع إليه عندما يهدأ ويستطيع التعبير عن سبب غضبه.

3- خلال المراحل والتغيرات الجديدة

يحتاج الأبناء إلى دعم أكبر عند المرور بتغيرات مؤثرة، مثل الانتقال إلى مدرسة جديدة، أو بداية مرحلة المراهقة، أو زيادة ضغوط الدراسة، أو فقدان صديق، أو مواجهة مشكلة اجتماعية.

وقد لا يطلب الطفل الدعم بشكل مباشر، بل ربما يظهر توتره من خلال العصبية أو الرغبة في الابتعاد.

وفي هذه المرحلة، لا يشترط أن تقدم الأم حلولًا فورية لكل مشكلة، فقد يكون مجرد وجودها واستعدادها للاستماع دون سخرية أو تقليل من مشاعر ابنها كافيًا لمنحه الشعور بالأمان.

4- عندما يثق الطفل ويعترف بخطئه

يُعد اعتراف الابن بخطأ ارتكبه علامة على وجود مساحة من الثقة بينه وبين والدته، ولذلك يجب التعامل مع هذا الاعتراف بحكمة.

فإذا كان رد فعل الأم دائمًا قائمًا على الغضب والصراخ، فقد يخشى الطفل الاعتراف بمشكلاته مستقبلًا ويلجأ إلى إخفائها.

والأفضل أن تستمع الأم أولًا إلى ما حدث، ثم تناقش مع ابنها الخطأ والنتائج المترتبة عليه وكيف يمكن إصلاحه.

فالاحتواء لا يعني تجاهل الخطأ، وإنما الحفاظ على شعور الابن بأن بإمكانه العودة إلى والدته وطلب المساعدة حتى عندما يخطئ.

كيف تحققين التوازن بين الحزم والاحتواء؟

التربية المتوازنة لا تعني أن تختار الأم بين الحزم والاحتواء في كل مرة، فقد يجتمع الاثنان في الموقف نفسه.

يمكن للأم أن تتفهم مشاعر ابنها دون أن توافق على السلوك الخاطئ، كما يمكنها وضع حدود واضحة دون إهانة الطفل أو تخويفه.

وقبل اتخاذ رد فعل سريع، من المفيد أن تسأل الأم نفسها: هل يحتاج ابني في هذه اللحظة إلى توجيه سلوكه، أم يحتاج أولًا إلى الشعور بأنني أفهم ما يمر به؟

وفي كثير من المواقف، تكون الإجابة هي الاثنين معًا، ولكن بالترتيب المناسب: احتواء المشاعر أولًا، ثم تصحيح السلوك.

الحب والحدود أساس التربية المتوازنة

يساعد الجمع بين الحب والقواعد الواضحة الأبناء على تعلم كيفية التعبير عن مشاعرهم بصورة سليمة، وتحمل مسؤولية أخطائهم دون الشعور بأن الخطأ سيؤدي إلى فقدان حب الأسرة.

وأكدت الدكتورة عبلة إبراهيم أن الأم الناجحة ليست التي تتعامل مع جميع المواقف بطريقة مثالية، وإنما التي تحاول باستمرار فهم احتياجات أبنائها والتعلم من المواقف المختلفة وفقًا لكل مرحلة عمرية.

ففي بعض المواقف يحتاج الطفل إلى أم تقول بوضوح إن هذا التصرف غير مقبول، بينما يحتاج في مواقف أخرى إلى الشعور بأن والدته موجودة بجانبه مهما كانت الظروف.

ويظل التوازن بين الحزم والاحتواء من أهم الأساليب التي تساعد على بناء علاقة أسرية صحية، تجمع بين الحدود التي تحمي الأبناء والحب الذي يمنحهم الشعور بالأمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى