
أحزنني بشدة منشور على أحد وسائل التواصل الاجتماعي مدعوما بصورة لطبيب شاب يعمل بمستشفيات قصر العيني، لخص بكلمات قليلة معاناة جيل كامل من شباب الأطباء الذين يقفون يومياً في الصفوف الأولى لإنقاذ المرضى، بينما يواجهون في الوقت نفسه ظروف عمل قاسية وأوضاعاً مادية صعبة.
كتب الطبيب الشاب: «يوم جمعة الساعة الرابعة فجراً في عز البرد.. يوم طوارئ بالقصر العيني.. من كتر الإرهاق والتعب نمت على الحديد من غير غطاء، لأن الصبح عندي قائمة عمليات تنتهي الخامسة مساءً، وبعدها تحضير مرور حتى الثانية صباحاً، فكنت محتاج أرتاح عشر دقائق فقط حتى أستطيع استكمال العمل».
ورغم أن الطبيب يقضي عشرات الساعات داخل المستشفى بين الطوارئ والعمليات والجولات الطبية، فإنه يؤكد أن إجمالي ما يتقاضاه شهرياً لا يتجاوز نحو ستة آلاف جنيه، وهو رقم ضئيل جدا لا يتناسب بأي حال مع المجهود الذى يقوم به ولا المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقه أو عدد ساعات العمل.
والحقيقة أن ما يحدث في قصر العيني، أحد أكبر الصروح الطبية في مصر والشرق الأوسط، ليس استثناءً، بل يتكرر يومياً في معظم المستشفيات الجامعية بمختلف المحافظات، حيث يعيش أطباء الامتياز والمقيمون واقعاً شديد القسوة بين ضغط العمل ونقص أعداد الكوادر وضعف المقابل المادي.
ووفقا لشهادات عديدة من داخل المستشفيات الجامعية فإن بعض الأطباء يعملون في نوبتجيات تمتد لأكثر من 24 ساعة، وقد تصل في بعض الأحيان إلى 36 ساعة متواصلة، يتخللها استقبال حالات طارئة، والمشاركة في العمليات الجراحية، والمرور على المرضى، ثم استكمال المتطلبات العلمية والتعليمية الخاصة بالدراسات العليا.
ولم تعد قضية الإرهاق المهني مجرد شكوى متكررة بين الأطباء الشباب، بل تحولت إلى ملف يثير القلق داخل المجتمع الطبي بعد عدد من الوقائع المؤلمة التي أثارت تساؤلات واسعة حول تأثير ضغوط العمل الممتدة على صحة الأطباء.
ففي عام 2022 توفي الطبيب المقيم الدكتور نبيل عادل بمستشفى بنها الجامعي إثر أزمة قلبية حادة أثناء نوبتجية العمل، بعدما أمضى ساعات طويلة داخل المستشفى بين العمليات والجراحات.
كما شهدت السنوات الأخيرة وقائع أخرى أثارت جدلاً واسعاً بين الأطباء، من بينها وفاة أطباء شباب أثناء أو عقب فترات عمل شاقة، الأمر الذي دفع نقابات وروابط مهنية للمطالبة بمراجعة نظام النوبتجيات وساعات العمل داخل المستشفيات التعليمية والجامعية.
وفي أغسطس الماضي أعادت وفاة الطبيبة الشابة سلمى محمد حبيش ابنة المحلة الكبرى خلال فترة الامتياز بقصر العيني أثناء أداء عملها، الجدل مرة أخرى حول أوضاع الأطباء الشباب وظروف تدريبهم داخل المستشفيات الجامعية.
ورغم أن فترة الامتياز والإقامة تمثل حجر الأساس في إعداد الطبيب وتأهيله مهنياً، فإن الواقع العملي يجعل كثيراً من الأطباء الشباب يتحملون أعباء تشغيلية ضخمة، في ظل العجز المتزايد في بعض التخصصات والأقسام، وهو ما يضاعف من حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم.
وتبقى المشكلة الأكبر في الفجوة الواضحة بين الجهد المبذول والعائد المادي. فالشاب الذي يقضي أغلب أيامه ولياليه داخل المستشفى، ويتعامل مع مسؤوليات تتعلق بحياة المرضى، يجد نفسه في نهاية الشهر أمام دخل لا يوازي حجم التضحية أو الضغط النفسي والجسدي الذي يتحمله.
ولهذا لم يعد مستغرباً أن يفكر كثير من الأطباء الشباب في الهجرة أو البحث عن فرص عمل خارج مصر، بحثاً عن بيئة مهنية أكثر إنصافاً وتقديراً.
ومن هذه الزاوية أؤكد ان الحفاظ على الأطباء ليس رفاهية، بل ضرورة وطنية. فإصلاح المنظومة الصحية يبدأ من توفير بيئة عمل إنسانية وآمنة للأطباء، تتضمن ساعات عمل عادلة، وأماكن راحة مناسبة، وحوافز مالية تتناسب مع طبيعة المهنة، إلى جانب خطط حقيقية لسد العجز في الكوادر الطبية.
فالطبيب الذي يرهقه السهر المتواصل والإجهاد المزمن لا يدفع الثمن وحده، بل تدفعه المنظومة الصحية بأكملها، ويدفعه المريض أيضاً. ومن ثم فإن الاستثمار في صحة الطبيب وكرامته المهنية هو في النهاية استثمار في صحة المجتمع كله.





