
يعمل باحثون من جامعة مانشستر ومؤسسة «مانشستر يونيفرسيتي إن إتش إس» الصحية على تطوير اختبار طبي جديد يمكن أن يغير طريقة تقييم النساء اللاتي يعانين من النزيف بعد انقطاع الطمث، إذ يعتمد الفحص على تحليل خلايا موجودة في عينات البول والسوائل المهبلية للكشف عن سرطان الرحم أو استبعاد احتماله.
ويستهدف الاختبار تبسيط مرحلة الفرز الأولي للنساء اللاتي يحتجن إلى تقييم عاجل بسبب النزيف بعد انقطاع الطمث، خاصة أن نسبة محدودة منهن تكون مصابة بالفعل بالسرطان، بينما تخضع البقية في الوقت الحالي لسلسلة من الفحوص والإجراءات الطبية للتأكد من سبب النزيف.
لماذا يمثل النزيف بعد انقطاع الطمث مصدر قلق؟
يعد ظهور النزيف أو التنقيط بعد انقطاع الطمث عرضًا يستدعي التقييم الطبي، وقد يؤدي إلى إحالة المرأة لإجراء مجموعة من الفحوص للكشف عن السبب.
وتشمل إجراءات التقييم الموجات فوق الصوتية، وأخذ عينات من الأنسجة، وتنظير الرحم باستخدام كاميرا لفحص بطانة الرحم.
وتكمن المشكلة في أن غالبية النساء اللاتي يراجعن المستشفيات بسبب النزيف بعد انقطاع الطمث لا يكن مصابات بسرطان الرحم، إذ تتراوح نسبة الحالات التي يثبت إصابتها بالسرطان بين 5% و10% وفق البيانات الواردة في الدراسة.
وبالتالي، يبحث الباحثون عن وسائل يمكنها تسريع عملية الفرز وتحديد النساء الأكثر احتياجًا إلى الفحوص التشخيصية المتقدمة.
كيف يعمل الاختبار الجديد؟
يعتمد الاختبار على فحص خلايا موجودة في عينات البول والسوائل المهبلية، بهدف البحث عن مؤشرات تساعد في تحديد احتمال وجود سرطان الرحم.
وتكمن الفكرة الأساسية في إمكانية الحصول على العينات بطريقة أبسط وأقل تدخلًا من بعض الإجراءات المستخدمة حاليًا، بما قد يساعد في مرحلة تقييم النساء اللاتي يعانين من النزيف بعد انقطاع الطمث.
لكن الاختبار لا يزال بحاجة إلى تأكيد نتائجه في الممارسة الطبية الروتينية قبل اعتباره بديلًا عن الفحوص التشخيصية المعتمدة.
دراسة شملت 1864 امرأة
اختبر الباحثون الفحص الجديد ضمن دراسة شملت 1864 امرأة راجعن المستشفيات بسبب النزيف بعد انقطاع الطمث.
ومن بين المشاركات، ثبتت إصابة 115 امرأة بالسرطان، من بينها 99 حالة مصابة بسرطان الرحم.
وعند الجمع بين نتائج عينات البول والسوائل المهبلية، تمكن الاختبار من تحديد نحو 80% من الحالات السرطانية بصورة صحيحة، بينما حققت عينات السوائل المهبلية دقة أعلى بقليل مقارنة بعينات البول.
ونشرت نتائج الدراسة في مجلة «ذا لانسيت» المتخصصة في طب التوليد وأمراض النساء وصحة المرأة.
ماذا تعني القيمة التنبؤية السلبية للاختبار؟
من أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة تسجيل الاختبار قيمة تنبؤية سلبية بلغت 98.8%.
وتشير هذه النتيجة إلى قدرة الاختبار على طمأنة نسبة مرتفعة من النساء اللاتي تظهر لديهن نتيجة سلبية، إلا أن هذه النتيجة لا تعني بمفردها أن الاختبار أصبح وسيلة نهائية لتشخيص أو استبعاد سرطان الرحم لدى جميع الحالات.
ويحتاج أي اختبار جديد إلى تقييم إضافي وتأكيد فعاليته في الممارسة الطبية قبل اعتماده على نطاق واسع كجزء من المسار التشخيصي المعتاد.
دقة أعلى في الأورام عالية الخطورة
لم تقتصر نتائج الدراسة على اكتشاف وجود السرطان بشكل عام، إذ أظهرت البيانات قدرة الاختبار على تحديد 95.8% من الأورام عالية الخطورة.
كما تمكن من تحديد 96.4% من الحالات التي امتد فيها المرض خارج الرحم.
وتعد هذه النتائج من الجوانب المهمة في تقييم الاختبار، لأن تحديد الحالات الأكثر خطورة يمكن أن يكون له دور في توجيه المرضى بسرعة أكبر إلى مزيد من الفحوص والرعاية المتخصصة.
نتائج الدراسة لدى النساء ذوات البشرة السمراء
أظهرت نتائج الدراسة أيضًا تحديد 100% من الحالات لدى النساء ذوات البشرة السمراء ضمن مجموعة المشاركات، وفق البيانات الواردة في الدراسة.
ومع ذلك، فإن هذه النتيجة تخص المشاركات ضمن الدراسة ولا تعني بالضرورة إمكانية تعميمها على جميع النساء ذوات البشرة السمراء، إذ تحتاج الاختبارات الطبية إلى تقييمات أوسع وعلى مجموعات سكانية مختلفة قبل استخلاص نتائج عامة.
كم عدد حالات سرطان الرحم في بريطانيا؟
تشير البيانات الواردة في المادة إلى تشخيص نحو 10 آلاف و200 امرأة بسرطان الرحم سنويًا في المملكة المتحدة، مع ارتفاع عدد الحالات بنسبة 12% خلال العقد الأخير وفق منظمة «ذا إيف أبيل».
وتعطي هذه الأرقام أهمية للبحث عن طرق أكثر سهولة وسرعة في تقييم النساء اللاتي تظهر لديهن أعراض قد ترتبط بسرطان الرحم، خصوصًا النزيف بعد انقطاع الطمث.
ما أهمية الاختبار بالنسبة للمريضات؟
ترى إيما ديفيدسون، الاستشارية الفخرية بجامعة مانشستر، أن النزيف بعد انقطاع الطمث يمثل مصدر قلق كبيرًا للمريضات، وأن الاختبار الجديد يمكن أن يساعد في تسريع عملية الفرز وتوفير قدر من الطمأنينة خلال فترة انتظار نتائج التقييم.
كما يمكن أن يؤدي الاعتماد على اختبار أقل تدخلًا في مرحلة الفرز إلى تقليل بعض الأعباء النفسية والمالية المرتبطة بالإجراءات الطبية، لكن ذلك يظل مرتبطًا بتأكيد نتائج الدراسة وإمكانية تطبيق الاختبار بصورة موثوقة في الممارسة الطبية اليومية.
ما أعراض سرطان الرحم؟
لا يقتصر سرطان الرحم على النزيف بعد انقطاع الطمث، إذ يمكن أن يظهر بمجموعة من الأعراض التي تستدعي التقييم الطبي.
ومن أبرز الأعراض:
النزيف أو التنقيط بعد انقطاع الطمث.
زيادة غير معتادة في غزارة الدورة الشهرية.
النزيف بين الدورات الشهرية.
تغير طبيعة الإفرازات المهبلية.
ظهور كتلة أو تورم في منطقة البطن أو الحوض.
ألم أسفل الظهر أو منطقة الحوض.
الشعور بالألم أثناء العلاقة الجنسية.
تغيرات في معدل التبول أو التبرز.
ولا تعني هذه الأعراض بالضرورة الإصابة بسرطان الرحم، إذ يمكن أن ترتبط بأسباب صحية أخرى، لكن ظهور النزيف بعد انقطاع الطمث تحديدًا يستدعي الحصول على تقييم طبي لمعرفة السبب.
هل يمكن أن يغني الاختبار عن الخزعة وتنظير الرحم؟
حتى الآن، لا تشير نتائج الدراسة إلى أن الاختبار أصبح بديلًا نهائيًا عن الإجراءات التشخيصية المستخدمة لتأكيد الإصابة.
فالاختبار محل الدراسة يستهدف بصورة أساسية الفرز والكشف الأولي، بينما قد تحتاج المرأة التي تظهر لديها مؤشرات مقلقة إلى فحوص إضافية للتأكد من التشخيص وتحديد طبيعة المرض ومرحلته.
ولهذا فإن أهمية الاختبار المحتملة تكمن في قدرته على مساعدة الأطباء في تحديد الحالات التي تحتاج إلى مزيد من التقييم، مع إمكانية تقليل الإجراءات غير الضرورية لدى بعض النساء إذا أثبتت الدراسات المستقبلية فعاليته في الاستخدام الروتيني.
خطوة نحو فحوص أقل تدخلًا
يمثل الاختبار الذي يعتمد على عينات البول والسوائل المهبلية اتجاهًا بحثيًا نحو تطوير وسائل للكشف عن السرطان تكون أبسط وأقل تدخلًا بالنسبة للمريضات.
وإذا أكدت الدراسات المستقبلية النتائج الحالية، فقد يصبح هذا النوع من الفحوص أداة إضافية في تقييم النساء اللاتي يعانين من النزيف بعد انقطاع الطمث.
لكن المرحلة الحالية تظل مرتبطة بنتائج الدراسة والبحوث اللازمة قبل الانتقال إلى اعتماد الاختبار كجزء من الممارسة الطبية الروتينية، ما يجعل الفحوص الطبية المعتادة ضرورية عند وجود أعراض تستدعي التقييم.





