مقالات

ممرات الشرف ..

بقلم هشام الهلوتي

خلال الأسابيع الماضية، شهدت بعض المؤسسات الصحية مشاهد إنسانية لافتة، حملت رسالة مهمة تستحق التأمل، مفادها أن المسؤول الذي يخلص في عمله، ويحترم مرؤوسيه، ويقترب من الناس، لا يحتاج إلى حملات دعائية لتسويق إنجازاته، فهناك دائمًا من يتحدثون عنه بصدق، وتكشف مواقفهم عن حجم ما تركه من أثر طيب في النفوس.
ثلاثة مشاهد مختلفة، جمعتها مشاعر الحب والتقدير، لتؤكد أن المناصب مهما علت، تظل قيمتها الحقيقية فيما يقدمه الإنسان من عمل، وما يتركونه من ذكريات طيبة في قلوب من تعاملوا معهم.
المشهد الأول.. ممر شرفي في وداع تامر مدكور
في مقر مديرية الشؤون الصحية بالقاهرة، أقام العاملون ممرا شرفيا وحفل تكريم للدكتور تامر عاطف مدكور، بمناسبة صدور القرار الجمهوري رقم 394 لسنة 2026 بتعيينه رئيسًا لمجلس إدارة الهيئة العامة للتأمين الصحي.
لم يكن المشهد مجرد احتفال تقليدي بمسؤول غادر موقعه إلى موقع جديد، وإنما جاء تعبيراً صادقاً عن مشاعر الحب والتقدير لرجل أمضى بينهم أكثر من عام، وترك بصمة واضحة على المستوى الإداري، فضلًا عن علاقاته الإنسانية الطيبة بزملائه ومرؤوسيه.
وهنا تكمن قيمة المشهد؛ فأن يودعك العاملون بمثل هذا الحب، وأن يحرصوا على تكريمك بعد انتهاء مهمتك، فهذا يعني أنك لم تكتف بأداء واجباتك الوظيفية، وإنما نجحت أيضًا في كسب احترام الناس وثقتهم.
المشهد الثاني.. قليوب تودع مديرها مينا صفوت
أما المشهد الثاني، فكان في مستشفى قليوب التخصصي، حيث ودّع العاملون الدكتور مينا صفوت، مدير المستشفى، الذي انتقل مؤخرًا لتولي إدارة مستشفى الهرم التخصصي.
وقد عبّر العاملون عن مشاعرهم بكلمات مؤثرة نشروها على الصفحة الرسمية للمستشفى، جاء فيها:
«بعض المديرين يغادرون مناصبهم… وبعضهم يتركون أثرًا لا يُنسى.
اليوم لا نكتب كلمات وداع عابرة، ولا نودّع مجرد مدير انتهت فترة تكليفه داخل مستشفى قليوب التخصصي، بل نودّع قائدًا ترك بصمة حقيقية ستظل شاهدة على مرحلة مميزة من تاريخ المستشفى».
ولم تتوقف كلمات الوداع عند حدود الثناء، بل كشفت عن فلسفة إدارية وإنسانية تستحق التقدير؛ فقد وصف العاملون مديرهم بأنه كان قريبًا من الجميع، مؤمنا بأن بيئة العمل الناجحة تبدأ بالاهتمام بالعاملين، وأن الصحة النفسية لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية.
كان يستمع إلى الجميع، ويحرص على أن يشعر كل فرد داخل المستشفى بقيمته وأهميته، ويسعى إلى توفير احتياجات المستشفى من الأجهزة والمستلزمات، واضعًا مصلحة المريض وجودة الخدمة الصحية في مقدمة أولوياته.
والأهم من ذلك أنه لم يجعل من منصبه حاجزًا يفصله عن المرضى والعاملين، ولم يتعامل مع الإدارة باعتبارها مكتبًا مغلقًا تصدر منه القرارات، بل مسؤولية تقتضي الوجود في الميدان، ومتابعة التفاصيل، والاستماع إلى المشكلات والعمل على حلها.
ولعل هذه الكلمات تختصر سر المحبة التي حظي بها الدكتور مينا صفوت، وتؤكد أن الإدارة الناجحة ليست قرارات وتعليمات فقط، وإنما أيضًا احتواء واحترام وتواصل إنساني.
المشهد الثالث.. استقبال حافل لأمل محمود في مستشفى الشروق
أما المشهد الثالث، فكان في مستشفى الشروق المركزي، حيث استقبل العاملون الدكتورة أمل محمود استقبالا حافلا لدى عودتها لتولي مهام إدارة المستشفى، ونظموا لها ممرا شرفيا شارك فيه الأطباء وأفراد التمريض والإداريون.
وجاء هذا الاستقبال تقديراً لما بذلته من جهود على مدار عامين ونصف العام، شهدت خلالها المستشفى تطورا كبيرا في الخدمات، إلى جانب حرصها على بناء علاقات طيبة مع مختلف فئات العاملين.
والمعنى هنا يتجاوز مجرد الاحتفال بعودة مديرة إلى موقعها؛ فأن يفاجئ العاملون مديرتهم بهذا الاستقبال، وأن يعبّروا عن سعادتهم بعودتها، فهذا يعكس ما يمكن أن تصنعه العلاقات الإنسانية الصادقة داخل المؤسسات، عندما تقترن بالعمل الجاد والسعي إلى التطوير وتحسين الخدمة المقدمة للمواطنين.
وانا هنا لااتوقف أمام هذه المشاهد الثلاثة لمجرد الاحتفاء بأصحابها ، وإنما لاستخلاص الدروس منها. فالمؤسسات الصحية لا تحتاج فقط إلى قيادات تمتلك الخبرة الإدارية والقدرة على اتخاذ القرار، بل تحتاج أيضًا إلى مسؤولين يدركون أن العاملين ليسوا مجرد أرقام في كشوف الحضور والانصراف، وأن الطبيب والممرض والإداري شركاء في نجاح المنظومة، وأن المريض يظل الغاية الأساسية لكل جهد أو تطوير.
وبالطبع، ليست هذه النماذج الإيجابية وحدها في وزارة الصحة، فهناك قيادات كثيرة تعمل في صمت، وتستحق الاحترام والتقدير لما تبذله من جهود، سواء في تطوير الخدمات الصحية أو في بناء علاقات إنسانية سليمة مع العاملين والمواطنين.
وسوف نتناول هذه النماذج وغيرها في مقالات قادمة، إيمانًا منا بأن إبراز التجارب الناجحة لا يقل أهمية عن كشف أوجه القصور، وأن الصحافة الحقيقية لا تكتفي برصد السلبيات، بل تنصف أيضًا كل من يجتهد ويخلص في أداء رسالته.
تحية لكل مسؤول أدرك أن المنصب إلى زوال، وأن ما يبقى هو العمل المخلص، والسيرة الطيبة، والمحبة الصادقة التي يتركها في قلوب الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى