
انطلقت اليوم السبت في القاهرة فعاليات قمة الشرق الأوسط وأفريقيا وروسيا للتحصين (MERA Vaccine Summit)، بمشاركة نخبة من الخبراء والمتخصصين في مجال اللقاحات والتطعيمات من مصر وعدد من الدول العربية والأجنبية، إلى جانب خبراء من منظمة الصحة العالمية، وتستمر فعاليات القمة على مدار يومين.
وتناقش القمة أهمية التطعيمات في الوقاية من الأمراض التي يمكن تفاديها باللقاحات، خاصة مع اقتراب فصل الشتاء وبدء العام الدراسي، مع التركيز على الأمراض التنفسية، وفي مقدمتها الإنفلونزا والمكورات الرئوية والفيروس التنفسي المخلوي (RSV).
رانيا حجازي: التطعيمات تحمي الأطفال من العدوى والمضاعفات
وأكدت الدكتورة رانيا حجازي، أستاذ طب الأطفال وأمراض القلب للأطفال بكلية طب قصر العيني، أهمية التطعيمات في حماية الأطفال، خاصة خلال السنوات الخمس الأولى من العمر، من العدوى الخطيرة والمضاعفات التي قد تنتج عنها.
وأوضحت، خلال مائدة مستديرة حول أهمية التطعيمات ضمن فعاليات القمة، أن المكورات الرئوية تعد من أبرز أنواع البكتيريا التي يمكن أن تسبب التهابات شديدة لدى الأطفال، مشيرة إلى أن القمة تبحث على مدار يومين عددًا من القضايا المرتبطة بالأمراض التي يمكن الوقاية منها بالتطعيمات.
وأضافت أن المناقشات تركز بشكل خاص على الأمراض التي تسببها المكورات الرئوية والفيروس التنفسي المخلوي، إلى جانب استعراض معدلات انتشار هذه الأمراض وسبل الوقاية منها، بهدف الوصول إلى توصيات علمية تساعد في الحد من انتقال العدوى والمضاعفات، خاصة خلال فصل الشتاء الذي ترتفع فيه معدلات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي.
التطعيمات.. من أهم إنجازات طب الأطفال
وأكدت الدكتورة رانيا حجازي أن التطعيمات تمثل أحد أهم الإنجازات العلمية في مجال طب الأطفال خلال المائة عام الماضية، مشيرة إلى أن البيانات العالمية تشير إلى مساهمتها في إنقاذ أكثر من 150 مليون طفل من الوفاة.
وقالت إن الوقاية من المرض تظل أفضل من التعامل مع مضاعفاته بعد حدوث الإصابة، موضحة أن نجاح برامج التطعيم في السيطرة على أمراض خطيرة، من بينها الدفتيريا وشلل الأطفال والحصبة، أدى إلى تراجع ظهور مضاعفاتها الشديدة مقارنة بما كان يحدث في الماضي.
وحذرت من أن انخفاض معدلات التطعيم قد يؤدي إلى عودة بعض الأمراض وانتشارها مجددًا، مؤكدة أن السيطرة عليها لا تعني اختفاءها بصورة نهائية، وإنما ترتبط بدرجة كبيرة باستمرار برامج التحصين وارتفاع معدلات الحصول على اللقاحات.
وشددت على أهمية دور وسائل الإعلام في مواجهة المعلومات المضللة المتعلقة باللقاحات، وتقديم المعلومات الطبية والعلمية بصورة مبسطة ودقيقة، بما يساعد الأسر على اتخاذ القرارات الصحيحة المتعلقة بصحة أطفالهم.
المكورات الرئوية.. عدوى قد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة
من جانبها، أوضحت الدكتورة جميلة السلمان، استشاري الأمراض الباطنية بكلية الطب في جامعة الخليج العربي بالمملكة البحرينية، أن المكورات الرئوية نوع من البكتيريا يمكن أن ينتقل من شخص إلى آخر، وقد توجد بصورة طبيعية في الأغشية المخاطية للفم والأنف لدى بعض الأشخاص دون أن تسبب أعراضًا.
وأضافت أن البكتيريا قد تتحول في بعض الحالات إلى عدوى خطيرة، موضحة أن الأمراض الناتجة عنها لا تقتصر على الالتهاب الرئوي، وإنما قد تشمل التهاب الأذن الوسطى، وتسمم الدم، والتهاب السحايا البكتيري، وهي مضاعفات قد تكون شديدة الخطورة، خاصة لدى الأطفال وكبار السن والفئات الأكثر عرضة للمضاعفات.
تطور لقاحات المكورات الرئوية
وأشارت الدكتورة جميلة السلمان إلى التطور المستمر الذي شهدته لقاحات المكورات الرئوية، موضحة أنها انتقلت من لقاحات تغطي عددًا محدودًا من السلالات إلى لقاحات ذات نطاق حماية أوسع.
وأوضحت أن التطور شمل الانتقال من لقاح يغطي 7 سلالات PCV7 إلى لقاح يغطي 13 سلالة PCV13، وصولًا إلى لقاحات تغطي 20 سلالة PCV20 من المكورات الرئوية.
وأكدت أن الهدف من تطوير هذه اللقاحات هو توسيع نطاق الحماية من السلالات التي قد تكون أكثر ارتباطًا بالأمراض الشديدة أو مقاومة المضادات الحيوية أو المضاعفات الخطيرة، ومنها التهاب السحايا.
وأضافت أن زيادة عدد السلالات التي يغطيها اللقاح توسع نطاق الحماية، بما قد يسهم في الحد من حالات العدوى والمضاعفات المرتبطة بالمكورات الرئوية.
مقاومة المضادات الحيوية تعزز أهمية الوقاية
وشددت الدكتورة جميلة السلمان على أن الوقاية من العدوى بالمكورات الرئوية تكتسب أهمية إضافية في ظل مشكلة مقاومة المضادات الحيوية، موضحة أن تقليل الإصابة بالعدوى يقلل الحاجة إلى استخدام هذه الأدوية.
وأشارت إلى أن الاستخدام غير الضروري للمضادات الحيوية يمكن أن يسهم في ظهور البكتيريا المقاومة، ما يجعل علاج بعض العدوى أكثر صعوبة، وقد يستدعي استخدام أكثر من مضاد حيوي في بعض الحالات.
وأكدت أن مقاومة المضادات الحيوية تمثل تحديًا عالميًا، وأن الوقاية من الأمراض البكتيرية من خلال التطعيمات تعد إحدى الوسائل المهمة للحد من الاستخدام غير الضروري للمضادات الحيوية.
لماذا تمثل السنوات الخمس الأولى أهمية خاصة؟
وأوضحت الدكتورة رانيا حجازي أن الأطفال دون الخامسة يمثلون إحدى الفئات التي تحتاج إلى حماية خاصة من المكورات الرئوية، لأن جهاز المناعة لديهم لا يزال في مرحلة التطور، وقد لا يكون قادرًا دائمًا على مواجهة بعض الميكروبات بالكفاءة نفسها التي يتمتع بها الأشخاص الأكبر سنًا.
وأشارت إلى أن فكرة التطعيم تقوم على تدريب جهاز المناعة على التعرف على الميكروب وتكوين استجابة مناعية ضده، دون الحاجة إلى إصابة الطفل بالمرض نفسه.
وأضافت أن جدول التطعيم الأساسي ضد المكورات الرئوية يبدأ عادة في عمر شهرين، ثم في عمر أربعة وستة أشهر، مع جرعة لاحقة بعد إتمام السنة الأولى، بينما تختلف الجداول التعويضية وفق عمر الطفل والجرعات التي حصل عليها سابقًا.
وأكدت ضرورة استشارة طبيب الأطفال لتحديد جدول التطعيم المناسب لكل طفل، خاصة في حالات التأخر عن إحدى الجرعات أو الحصول سابقًا على نوع مختلف من اللقاح.
تطعيم الطفل يحمي الأسرة والمجتمع
وأكدت الدكتورة رانيا أن فوائد تطعيم الطفل لا تقتصر عليه وحده، موضحة أن الطفل يتحرك داخل دائرة اجتماعية تضم الوالدين والإخوة والأجداد وغيرهم، وبالتالي فإن حمايته من العدوى تسهم في الحد من انتقالها إلى أفراد الأسرة، خاصة كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.
وأشارت إلى أن الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات تشمل الأطفال المصابين بأمراض مزمنة، مثل أمراض القلب والصدر والكلى والسكري، وكذلك الأطفال الذين يعانون من ضعف المناعة أو يتلقون علاجات تؤثر على جهاز المناعة، ومن بينهم بعض مرضى السرطان الذين يخضعون للعلاج الكيميائي.
التطعيم لا يقتصر على الأطفال
وأكدت الدكتورة جميلة السلمان أن التطعيم ضد المكورات الرئوية لا يقتصر على الأطفال، وإنما تمتد التوصيات الخاصة به إلى كبار السن والفئات الأكثر عرضة للمضاعفات.
وأوضحت أن الأشخاص الأكبر من 50 عامًا يمثلون فئة مهمة للحصول على التطعيم وفق التوصيات المعمول بها، كما قد يحتاج الأشخاص الأصغر سنًا إلى التطعيم إذا كانوا يعانون من عوامل خطورة أو أمراض مزمنة، مثل السكري، أو يتلقون أدوية مثبطة للمناعة، أو يخضعون للعلاج الكيميائي أو زراعة الأعضاء.
وأضافت أن تطوير اللقاحات الحديثة ساهم في تبسيط جداول التطعيم لبعض الفئات، بما قد يسهل الحصول على الحماية المطلوبة وفق التوصيات الطبية.
العبء الاقتصادي والاجتماعي للعدوى
وأشارت الدكتورة رانيا حجازي إلى أن الإصابة بالمكورات الرئوية لا تمثل تحديًا صحيًا فقط، وإنما تفرض أيضًا أعباء اقتصادية واجتماعية على الأسرة والمنظومة الصحية.
وأوضحت أن العدوى قد تبدأ بالتهاب في الأذن الوسطى، ما يؤدي إلى غياب الطفل عن المدرسة، بينما قد تتطور بعض الحالات إلى التهاب رئوي يحتاج إلى دخول المستشفى أو الحصول على الأكسجين أو الرعاية المركزة.
وأضافت أن التهاب السحايا قد يؤدي في بعض الحالات إلى مضاعفات طويلة الأمد أو إعاقات، فضلًا عن احتمالية الوفاة، مشيرة إلى أن تكلفة المرض لا تقتصر على العلاج، وإنما تشمل أيضًا غياب الوالدين عن العمل لرعاية الطفل، وتكاليف الإقامة بالمستشفى والرعاية الطبية، والتأثيرات طويلة المدى على حياة المريض.
اللقاحات استثمار في صحة الفرد والمجتمع
وأكدت الدكتورة جميلة السلمان أن الوقاية من المكورات الرئوية من خلال التطعيمات تمثل استثمارًا في صحة الفرد والمجتمع، مشيرة إلى أن الخطط الصحية العالمية تستهدف خفض معدلات الإصابة والوفيات الناتجة عن هذه العدوى خلال السنوات المقبلة.
وأوضحت أن التطعيمات تعد من أهم أدوات الصحة العامة للحد من الأمراض المعدية والمضاعفات والوفيات، إلى جانب المساهمة في تقليل الاستخدام غير الضروري للمضادات الحيوية والحد من مشكلة مقاومتها.
خبراء يناقشون أحدث مستجدات اللقاحات
وشهدت المائدة المستديرة مشاركة نخبة من الخبراء والمتخصصين في طب الأطفال والأمراض المعدية من مصر ودولة الإمارات العربية المتحدة، من بينهم الدكتورة رانيا حجازي، أستاذ طب الأطفال وحديثي الولادة بكلية طب قصر العيني، والدكتورة جميلة السلمان، استشاري الأمراض المعدية والطب الباطني بكلية الطب بجامعة الخليج العربي.
وناقشت المائدة أحدث المستجدات العلمية في مجال التطعيمات وصحة الأطفال، مع التأكيد على أهمية الوقاية المبكرة ودور اللقاحات في الحد من عبء الأمراض التي يمكن الوقاية منها.
كما تناولت المناقشات مرض المكورات الرئوية، واستعرضت أحدث التطورات والابتكارات في مجال اللقاحات، ومن بينها لقاح PCV20 الذي يغطي 20 سلالة من المكورات الرئوية، وما يتيحه من نطاق حماية أوسع ضد السلالات المسببة للمرض.
وفي ختام الفعاليات، شدد الخبراء على أهمية حصول الأسر على المعلومات المتعلقة بالتطعيمات من المصادر الطبية والعلمية الموثوقة، وعدم الاعتماد على المعلومات غير الموثقة المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدين أن رفع الوعي بالتطعيم يمثل خطوة أساسية لحماية الأطفال وتعزيز صحة المجتمع.





