اهم الأخبارمقالات

الدكتور احمد بسيوني.. حين يموت الكبار في صمت

بقلم الكاتب الصحفي مصطفى عبيد

حزنت كثيرا على رحيل الدكتور أحمد بسيوني أستاذ الأنف والأذن بقصر العيني في صمت تام…
أخبرني الصديق الشاعر والطبيب خالد البوهي مؤخرا أن د. بسيوني رحل قبل عامين، أو أكثر ولم نشعر به.
كانت للرجل عيادة شهيرة في عمارة استراند بوسط القاهرة، وكان أحد أهم أساتذة طب الأنف والحنجرة في مصر.

وفي عام 2016 كُنت أعاني من صداع شديد ومزمن بسبب الجيوب الأنفية، وذهبت لعدة أطباء وجربت أكثر من طريقة حتى انتهى بي الحال إلى أحد الأطباء وهو أستاذ جامعي الذي رأى ضرورة عمل جراحة استعدال حاجز أنفي وإزالة جيوب أنفية، وبالفعل اتفق معي على إجراء العملية. وكان هذا الطبيب متجهما وجافا وآليا في حديثه، وبعد أن اتفقت معه على موعد إجراء العملية وحجز لي في مستشفى الجنزوري، وخرجت من غرفته شعرت أنني في حاجة لرقم هاتفه، فطلبت من سكرتيرته أن تعطيني رقم هاتفه، لكنها رفضت وقالت إنه لا يعطي رقم هاتفه لمرضاه. وشعرت بضيق شديد وطلبت منها أن تدخل إليه وتطلب الرقم لأنني سأجرى عملية معه بعد ثلاثة أيام وقد حجز بنفسه غرفة العمليات، وأمام إلحاحي دخلت إليه لكنها عادت مُنكسة الرأس وقالت إنه يقول لك إنه لا يعطي رقم هاتفه لأحد. استفزني الموقف، وشعرت بعشرات الحواجز بيني وبين الطبيب الذي سيجري لي عملية يرى أنها عاجلة، لكن هاجسا داخلي دفعني أن أقول لها: أخبريه أنني لن أجرى العملية التي اتفق عليها بشأني، وغادرت، وكلي غضب.

بعد بضعة أيام التقيت في شغلي الصديق والزميل الأستاذ زكي السعدني الصحفي المرموق، ووجدني متجهما فسألني : ما بي؟ فأخبرته أن لدي صداع دائم وصعب وأن الطبيب أوصى بعمل عملية جراحية لكنني لم أرتح له وتركته. فقال لي على الفور : أنف؟ طبيب؟ عليك وعلى أحمد بسيوني. سألته من هو أحمد بسيوني؟ فقال إنه استاذ أنف وأذن وحنجرة كبير وشاطر جدا. اتصل به أمامي وقال لي إنه ينتظرك مساء في عيادته بعمارة استراند.
ذهبت ولاحظت أن العيادة قديمة جدا، وأن عدد المرضى محدود، وعلمت من التمرجي أن الدكتور لا يستقبل في اليوم سوى أربع أو خمس حالات.
لفت نظري لافتة على باب العيادة تقول إن الكشف مجاني لأهالي قريته بالمنوفية، ولا أذكر اسمها الآن.
عندما دخلت إليه أصر عل اعادة قيمة الفيزيتا لي وقال لي : أنت صحفي في الوفد، أنا مدين للوفد قبل عشرين عاما بأنه وقف إلى جواري في معركة فساد بالمستشفى. ورفضت لكنه أصر وألح أنه لن يأخذ مليما.. وأتذكر وقتها أن قيمة الفيزيتا كانت 300 جنيه( قبل عشر سنوات).

كان الرجل مسنا غريبا وضحوكا وهادئا.فحص أنفي جيدا ببأدوات غريبة ونظر في الإشاعات السابقة، ثُم طلب مني عمل إشاعة جديدة محددا مكانها بالضبط، وكتب لي دواء مؤقتا. وبعد يومين مررت عليه بالأشعة وهز رأسه بأنني بالفعل أحتاج لجراحة استعدال للحاجز الأنفي وإزالة للجيوب الأنفية الملتهبة.
سألته أين أجري العملية؟ فقال : في قصر العيني، ثُم سألته من سيجريها ؟فقال لي :أنا.
رانت على وجه زوجتي ابتسامة دهشة واستغراب. ونظرت أنا إليه وشعرت ببعض الخوف إذ أدركت من هيئته أنه تجاوز الثمانين من عمره، وبدت أصابعه مرتعشة، ونظراته زائغة. بان علي وجهي الاستنكار لكنه طمأنني مبتسما وقال : انا اعتزلت بس عاوز أعمل عملية اعتزال خالص. أنت هتكون آخر عملية أعملها.
غزتني سكينة غريبة عندما استقرأت نظرات أبوة في عينيه. وقلت له : تمام. حدد الموعد.
بالفعل حدد الموعد، ثُم سألته عن تكاليف العملية فقال لي : بعدين بعدين، وكان ذلك أغرب شىء قابلني في مضمار التعامل مع الأطباء والمستشفيات طوال حياتي. قال لي : سيب دا دلوقتي وجهز نفسك بعد بكره. ما تأكلش الصبح غير شاي بلبن مع بسكوت.

كانت عملية غريبة جدا، رأيت وجهه في غرفة العمليات يضحك ويداعب أستاذة التخدير ويقول لها نكات تضحك بشدة عليها. أزال هدوءه وخفة دمه أي شعور بالتوتر.
ظللت في الإفاقة مدة طويلة، وعندما استعدت وعيي وجدت في أنفي فتيلا ممتدا داخل الدماغ. وبعد يومين ذهبت إليه فجذب الفتيل بعد أن وضع غمامة سوداء على عيناي، وشعرت أن روحي تنسحب فصرخت، لكنه ببرود شديد واصل عمله دون أن تطرف له عين. ومن بعدها تغيرت الدنيا من أنفي وصرت أتنفس بشكل طبيعي. وفيما عدا أوقات تقلبات الطقس بين الفصول لا يعاودني الصداع المُضني.
المُهم أنني سألت د. أحمد بسيوني وقتها ” أتعاب حضرتك كم؟” فابتسم وقال لي : لاشىء. كررت حديثي بدفع من الشعور بالامتنان الحقيقي لعمل عظيم فضحك الرجل وقال لي ” يا بني أنا غني جدا. لو اديتني أي فلوس مش هأحس بيها.. أنا معايا فلوس كتير جدا”. واستغربت الرجل فقلت له إنني اعتدت ألا أحصل على خدمة دون أجر، وهذه عملية جراحية ولها أتعاب بالآلاف، وأنا قادر ماديا أن أدفع ، لكنه أصر ألا يتقاضى شيئا، ثُم أمام إلحاحي الطفولي قال لي ” اذهب إلى المستشفى وادفع تكاليف التخدير وإكراميات للممرضين فقط،” وفعلت.

وظل الرجل محل تقدير ومحبة وإحترام شديد، وظللت أدعو له كثيرا، وحزنت عندما قال لي خالد البوهي أنه مات.
مات الطبيب الكبير العظيم دون أن أجد خبرا واحدا في أي موقع أو صحيفة أو صفحة على التواصل الاجتماعي عن وفاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى