
يولد الطفل وهو يميل إلى تلبية احتياجاته ورغباته بصورة فورية؛ فعندما يشعر بالجوع يريد الطعام، وعندما يرى لعبة تعجبه يرغب في الحصول عليها، وكذلك الحال مع الحلوى وغيرها من الأشياء التي تجذب انتباهه.
ومع نمو الطفل، يأتي دور الأسرة في مساعدته على فهم أن الحصول على كل ما يريده فورًا ليس أمرًا ممكنًا دائمًا، وأن الانتظار والاختيار وضبط النفس مهارات يمكن تعلمها تدريجيًا وتساعده على التعامل بصورة أفضل مع المواقف المختلفة.
وأوضحت الدكتورة عبلة إبراهيم، أستاذ التربية ومستشارة العلاقات الأسرية، أن تعليم الطفل التحكم في رغباته لا يعني رفض طلباته باستمرار أو تعويده على الحرمان، وإنما مساعدته على فهم مشاعره ورغباته، والتفكير قبل التصرف، وتقبل تأجيل بعض الأمور عندما توجد أسباب واضحة ومنطقية.
وأشارت إلى أن اكتساب هذه المهارة في السنوات الأولى يمكن أن يساعد الطفل مع تقدمه في العمر على التعامل مع الإحباط واتخاذ قرارات أكثر ملاءمة للموقف.
طرق تساعد الطفل على ضبط رغباته
هناك مجموعة من الأساليب التربوية التي يمكن للوالدين الاعتماد عليها تدريجيًا لمساعدة الطفل على التحكم في رغباته، دون تحويل الأمر إلى صراع دائم بين الطفل والأسرة.
تعليمه الفرق بين الرغبة والاحتياج
من الخطوات المهمة أن يدرك الطفل أن هناك أشياء يحتاج إليها بالفعل، وأخرى يرغب فيها لأنها ممتعة أو جذابة. فإذا طلب لعبة جديدة رغم امتلاكه عددًا كبيرًا من الألعاب، يمكن للوالدين طرح أسئلة بسيطة تساعده على التفكير في مدى حاجته إليها في الوقت الحالي.
ولا يحتاج الأمر إلى شرح طويل، بل يمكن أن يكون الحوار قصيرًا ومناسبًا لعمر الطفل. ومع تكرار هذه الطريقة، يبدأ في فهم أن الرغبة في شيء لا تعني بالضرورة ضرورة الحصول عليه فورًا.
تدريبه على الانتظار بشكل تدريجي
ضبط الرغبات مهارة تحتاج إلى التدريب، لذلك من الأفضل البدء بفترات انتظار قصيرة تتناسب مع عمر الطفل وقدرته على التحمل، ثم زيادتها تدريجيًا.
ويمكن مثلًا تأجيل تقديم الحلوى لبضع دقائق أو تأخير بدء لعبة مفضلة، مع إشغال الطفل بنشاط آخر خلال فترة الانتظار. والهدف هنا ليس اختبار صبره، وإنما مساعدته على إدراك أن عدم الحصول على الشيء فورًا لا يعني فقدانه.
عدم الاستجابة للبكاء في كل مرة
إذا اعتاد الطفل أن البكاء أو الصراخ يؤديان في النهاية إلى تنفيذ طلبه، فقد يتعامل مع الانفعال باعتباره وسيلة للوصول إلى ما يريد.
لذلك من المهم أن يحافظ الوالدان على الهدوء والثبات عند رفض طلب غير مناسب، مع الاعتراف بمشاعر الطفل في الوقت نفسه. ويمكن إظهار تفهم غضبه أو حزنه دون تغيير القرار إذا كان الرفض ضروريًا.
فالاعتراف بمشاعر الطفل لا يعني الموافقة على طلبه، ومن المهم أن يتعلم أن الشعور بالغضب أو الإحباط أمر طبيعي، لكنه لا يعني أن الآخرين ملزمون بتنفيذ كل ما يريده.
تقديم خيارين بدلًا من الخيارات المفتوحة
يمكن مساعدة الطفل على التحكم في رغباته من خلال منحه خيارات محدودة ومناسبة بدلًا من فتح المجال أمامه للحصول على كل البدائل.
فعلى سبيل المثال، بدلًا من سؤاله عما يريد تناوله بشكل مفتوح، يمكن تقديم خيارين محددين له، وكذلك عند اختيار الملابس أو بعض الأنشطة اليومية.
ويمنح هذا الأسلوب الطفل إحساسًا بالاستقلالية والمشاركة في القرار، وفي الوقت نفسه يعلمه أن الاختيار له حدود وأنه لا يستطيع الحصول على جميع البدائل في الوقت نفسه.
ربط الانتظار بهدف يحبه
يمكن الاستفادة من الأهداف الصغيرة في تدريب الطفل على تأجيل رغباته. فإذا كان يرغب في لعبة معينة، يمكن الاتفاق معه على الانتظار حتى مناسبة محددة أو المشاركة تدريجيًا في توفير ثمنها.
ويساعد ذلك على ترسيخ فكرة أن بعض الأشياء تحتاج إلى وقت وجهد قبل الحصول عليها، وأن الوصول إلى الهدف بعد الانتظار يمكن أن يكون تجربة إيجابية.
لكن من الأفضل ألا يتحول هذا الأسلوب إلى نظام دائم يعتمد فيه الطفل على المكافآت المادية، لأن الهدف الأساسي هو اكتساب مهارة الانتظار واتخاذ القرار، وليس انتظار المقابل في كل مرة.
كوني قدوة أمام طفلك
يتعلم الأطفال كثيرًا من خلال مراقبة سلوك الوالدين في المواقف اليومية، وليس من خلال النصائح المباشرة فقط.
لذلك يمكن للأم أو الأب إظهار كيفية التفكير قبل شراء شيء غير ضروري، أو تأجيل رغبة معينة، حتى يرى الطفل بصورة عملية أن التحكم في الرغبات سلوك يمارسه الكبار أيضًا.
وتساعد هذه المواقف اليومية الطفل على فهم أن تأجيل الرغبة لا يمثل عقابًا، وإنما قد يكون قرارًا طبيعيًا عندما لا تكون هناك حاجة للحصول على الشيء في الوقت نفسه.
تجنب تحويل الحرمان إلى أسلوب دائم
يختلف تعليم الطفل تأجيل رغبة معينة عن حرمانه بصورة مستمرة. فالمبالغة في المنع قد تجعل الطفل أكثر تعلقًا ببعض الأشياء التي يحرم منها، وقد تدفعه إلى البحث عنها بعيدًا عن الأسرة.
لذلك من الأفضل وضع قواعد واضحة ومفهومة للطفل، مع ترك مساحة مناسبة للعب والمرح والاختيار والمكافآت الملائمة.
فالهدف من التربية ليس منع الطفل من الاستمتاع أو الحصول على ما يحب، وإنما مساعدته على فهم الحدود والتوازن بين الرغبات والمسؤوليات، حتى يكتسب تدريجيًا القدرة على ضبط نفسه واتخاذ قرارات أكثر وعيًا.





