
قد يفتح علاج يُؤخذ مرة واحدة يوميًا بابًا جديدًا أمام بعض المصابين بالبهاق، بعدما أظهرت تجربتان سريريتان نتائج واعدة لعقار أوباداسيتينيب (Upadacitinib) في استعادة جزء من لون البشرة المفقود.
ويتميز الدواء بأنه يُؤخذ عن طريق الفم ويعمل على مستوى الجسم، ما قد يجعله خيارًا محتملًا لبعض المرضى الذين يعانون من بقع واسعة أو مناطق يصعب علاجها بالكريمات الموضعية.
ومع ذلك، لا تزال هناك أسئلة بشأن فعاليته على المدى الطويل وسلامته، كما أن غالبية المشاركين في التجارب لم يحققوا مستويات مرتفعة من استعادة لون البشرة، وفقًا لموقع «The Guardian».
ما هو البهاق؟
البهاق مرض مناعي مزمن يحدث عندما يهاجم الجهاز المناعي الخلايا المسؤولة عن إنتاج صبغة الميلانين في الجلد، ما يؤدي إلى ظهور بقع فاتحة أو بيضاء في مناطق مختلفة من الجسم.
والبهاق ليس مرضًا معديًا ولا ينتقل من شخص إلى آخر، لكنه قد يترك تأثيرًا نفسيًا واجتماعيًا كبيرًا لدى بعض المصابين، خاصة عندما تكون التغيرات الجلدية واضحة.
وتشمل خيارات العلاج المتاحة حاليًا الكريمات الموضعية والعلاج بالضوء، إلا أن بعض هذه العلاجات يحتاج إلى الاستمرار لعدة أشهر، وقد تصبح عملية العلاج أكثر تحديًا عندما تغطي البقع مساحات واسعة من الجسم.
كيف اختُبر أوباداسيتينيب؟
نشرت نتائج الدراسة في دورية The Lancet، وشملت التجارب 614 شخصًا من البالغين والمراهقين الذين تبلغ أعمارهم 12 عامًا فأكثر.
وأُجريت التجارب في 138 مؤسسة طبية موزعة على 18 دولة، وشارك فيها أشخاص مصابون بالنوع الأكثر شيوعًا من البهاق، والذي يؤثر عادةً في الوجه والجسم.
وُزّع المشاركون عشوائيًا على مجموعات تناولت 15 ملغ من أوباداسيتينيب يوميًا أو دواءً وهميًا لمدة 48 أسبوعًا، دون معرفة المشاركين أو الباحثين بنوع العلاج الذي تلقاه كل شخص خلال التجربة.
ما النتائج التي توصل إليها الباحثون؟
أظهرت النتائج أن نحو 25% من المشاركين الذين تلقوا أوباداسيتينيب في التجربة الأولى استعادوا ما لا يقل عن 75% من لون الوجه المفقود، مقارنة بـ6% فقط في مجموعة الدواء الوهمي.
وفي التجربة الثانية، بلغت النسبة نحو 23% لدى متلقي العلاج، مقابل 7% في مجموعة الدواء الوهمي.
كما ظهرت استجابة في مناطق أخرى من الجسم، إذ تمكن نحو 19% و21% من المشاركين الذين تلقوا العلاج في التجربتين من استعادة نصف اللون المفقود على الأقل في المناطق المصابة، مقارنة بـ6% في كلتا مجموعتي الدواء الوهمي.
وحقق بعض المرضى تحسنًا أكبر، حيث استعاد نحو 14% من متلقي العلاج ما لا يقل عن 90% من لون الوجه المفقود، بينما تراوحت النسبة بين 2 و3% لدى المشاركين الذين تلقوا الدواء الوهمي.
كيف يعمل الدواء؟
ينتمي أوباداسيتينيب إلى مجموعة من الأدوية تُعرف باسم مثبطات JAK، ويعمل على تثبيط جزء من الاستجابة المناعية المرتبطة بالبهاق.
ومن خلال تهدئة النشاط المناعي الذي يستهدف الخلايا الصبغية، قد يمنح العلاج هذه الخلايا فرصة لاستعادة إنتاج الصبغة، وبالتالي استعادة جزء من لون الجلد.
لكن هذا لا يعني أن الدواء يعالج البهاق بشكل نهائي، أو أن جميع المرضى سيستعيدون لون بشرتهم بالكامل.
هل استعاد معظم المرضى لون بشرتهم؟
تشير النتائج إلى أن الاستجابة للعلاج لم تكن شاملة، إذ ظل نحو ثلاثة أرباع المرضى دون الوصول إلى الهدف الرئيسي المحدد لاستعادة 75% من لون الوجه.
كما أن نحو 80% من المشاركين لم يستعيدوا نصف اللون المفقود في مناطق الجسم المصابة.
وهذا يعني أن العلاج قد يساعد بعض المرضى بدرجات متفاوتة، لكنه لا يمثل حتى الآن حلًا مضمونًا لاستعادة لون البشرة لدى جميع المصابين بالبهاق.
ماذا عن الآثار الجانبية؟
ظهرت بعض الآثار الجانبية بين المشاركين، ومن بينها:
التهابات الجهاز التنفسي العلوي.
حب الشباب.
الصداع.
التهاب الأنف والحلق.
حالات من الهربس النطاقي.
كما سجلت بعض المشكلات الصحية الخطيرة لدى نسبة من المشاركين خلال فترة التجارب، ما يجعل تقييم سلامة الدواء على المدى الطويل أمرًا مهمًا قبل اعتباره خيارًا مناسبًا على نطاق واسع.
لماذا تحتاج النتائج إلى مزيد من المتابعة؟
بلغت مدة المتابعة الأساسية في التجارب 48 أسبوعًا، وهي فترة قد لا تكون كافية للكشف عن بعض الآثار الجانبية النادرة أو المخاطر التي قد تظهر عند استخدام الدواء لفترات أطول.
ويواصل الباحثون متابعة المشاركين لمدة إضافية تصل إلى 112 أسبوعًا، بهدف الحصول على صورة أوضح بشأن فعالية العلاج وسلامته، وكذلك معرفة مدى استمرار استعادة لون البشرة بعد التوقف عن استخدام الدواء.
ومن القيود الأخرى أن التجارب قارنت أوباداسيتينيب بالدواء الوهمي، ولم تقارنه بشكل مباشر بالكريمات الموضعية أو العلاج بالضوء المستخدمين حاليًا.
كما كان تمثيل الأشخاص ذوي البشرة الداكنة محدودًا نسبيًا، ما يؤكد الحاجة إلى مزيد من الدراسات التي تشمل مختلف ألوان البشرة.
تمويل الشركة المصنعة
من المهم أيضًا عند تقييم النتائج الإشارة إلى أن الدراسة موّلتها شركة أبفي (AbbVie)، وهي الشركة المصنعة للدواء، كما شاركت الشركة في تصميم التجارب وتحليل البيانات وإعداد البحث.
ولا يعني ذلك أن النتائج غير صحيحة، لكنه عامل مهم ينبغي أخذه في الاعتبار عند قراءة نتائج الدراسات الدوائية وتقييمها.
هل يمثل أوباداسيتينيب علاجًا جديدًا للبهاق؟
تقدم النتائج مؤشرًا واعدًا على إمكانية استخدام علاج فموي لاستعادة جزء من لون البشرة لدى بعض المصابين بالبهاق، خصوصًا في الحالات التي تشمل مساحات واسعة من الجسم أو مناطق يصعب علاجها موضعيًا.
لكن النتائج لا تعني أن الدواء مناسب لجميع المرضى أو أنه خالٍ من المخاطر، كما أن معظم المشاركين لم يحققوا استعادة كبيرة للون البشرة.
وفي النهاية، يبقى قرار استخدام أوباداسيتينيب مرتبطًا بتقييم الطبيب المختص لحالة المريض، ومدى انتشار البهاق، والحالة الصحية العامة، والموازنة بين الفوائد المحتملة والمخاطر.





