
لا يقتصر دور النوم على منح الجسم الراحة واستعادة النشاط، بل يشهد الدماغ خلاله مجموعة من العمليات الحيوية المهمة، من بينها تغيرات في النشاط الكهربائي للمخ وحركة السائل النخاعي، الذي يحيط بالدماغ والحبل الشوكي ويساهم في نقل المواد والتخلص من بعض الفضلات.
وفي هذا السياق، يدرس العلماء إمكانية استخدام الضوضاء الوردية، وهي نوع من الأصوات المستمرة التي تتميز بانخفاض حدة تردداتها العالية، للتأثير في نشاط الدماغ أثناء النوم العميق.
ووفقًا لتقرير نشره موقع «Daily Mail»، بحثت دراسة حديثة إمكانية تعزيز الموجات الدماغية البطيئة وحركة السائل النخاعي باستخدام نبضات صوتية قصيرة تُرسل في توقيت محدد، في نتائج أولية قد تفتح المجال أمام مزيد من الأبحاث حول النوم وصحة الدماغ.
ما الضوضاء الوردية وكيف تختلف عن الضوضاء البيضاء؟
الضوضاء الوردية هي نوع من الأصوات التي تتوزع طاقتها بصورة مختلفة عبر الترددات الصوتية، إذ تكون الترددات المنخفضة أكثر بروزًا مقارنة بالترددات العالية، ما يجعلها تبدو أكثر نعومة لدى كثير من الأشخاص.
وقد تشبه هذه الأصوات صوت المطر المتواصل أو الشلالات أو حفيف أوراق الأشجار، ويستخدمها بعض الأشخاص للمساعدة على الاسترخاء وتقليل الانتباه إلى الضوضاء المحيطة أثناء النوم.
لكن من المهم التمييز بين استخدام الضوضاء الوردية بوصفها صوتًا خلفيًا للاسترخاء، وبين التقنية التي اختبرتها الدراسة؛ إذ لم يعتمد الباحثون على تشغيل الصوت طوال الليل فحسب، وإنما استخدموا نبضات صوتية قصيرة ومحددة التوقيت وفقًا لنشاط الدماغ.
ماذا يحدث للدماغ خلال النوم العميق؟
خلال النوم العميق، تظهر موجات دماغية بطيئة تُعرف باسم موجات دلتا، وهي جزء طبيعي من النشاط الكهربائي للدماغ خلال هذه المرحلة.
وترتبط هذه المرحلة بوظائف مهمة، من بينها دعم بعض عمليات الذاكرة والتعافي البدني وتنظيم وظائف الجسم.
وفي الوقت نفسه، يتحرك السائل النخاعي حول الدماغ والحبل الشوكي، ويساهم في حماية الجهاز العصبي ونقل بعض المواد والتخلص من الفضلات.
وقد دفعت العلاقة التي رصدتها الأبحاث بين الموجات الدماغية البطيئة وحركة السائل النخاعي العلماء إلى دراسة إمكانية استخدام محفزات صوتية دقيقة للتأثير في هذه العمليات أثناء النوم.
كيف أُجريت الدراسة الحديثة؟
نُشرت الدراسة في مجلة «Science Translational Medicine»، وشملت 14 متطوعًا من الأصحاء، وخضع المشاركون لمراقبة نشاط الدماغ أثناء النوم باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي.
واستخدم الباحثون تقنية تُعرف باسم «التحفيز السمعي مغلق الحلقة»، وتعتمد على متابعة نشاط الدماغ في الوقت الفعلي، ثم إرسال صوت في لحظة محددة تتوافق مع المرحلة المطلوبة من النشاط الدماغي.
وفي هذه التجربة، أُرسلت نبضات قصيرة للغاية من الضوضاء الوردية، بلغت مدة النبضة الواحدة نحو 50 مللي ثانية، بالتزامن مع وصول موجات دلتا إلى ذروتها.
ويختلف هذا الأسلوب عن تشغيل مقطع صوتي للضوضاء الوردية طوال الليل؛ لأنه يعتمد على نظام متخصص يرصد موجات الدماغ ويحدد توقيت التحفيز الصوتي بدقة.
ماذا اكتشف الباحثون عن تأثير الضوضاء الوردية في الدماغ؟
أظهرت النتائج أن التحفيز الصوتي الموقّت ارتبط بزيادة قوة موجات دلتا خلال فترات معينة من النوم، كما ارتبط بزيادة موجات حركة السائل النخاعي.
ويرجح الباحثون أن النبضات الصوتية ساعدت على تعزيز إيقاع طبيعي في النشاط الكهربائي للدماغ، بالتزامن مع تغيرات في تدفق الدم وحركة السائل النخاعي.
وتكتسب هذه النتائج أهمية لأنها تشير إلى إمكانية التأثير في بعض العمليات الفسيولوجية التي تحدث خلال النوم باستخدام محفزات صوتية مضبوطة بدقة.
ومع ذلك، فإن زيادة نشاط الموجات الدماغية أو حركة السائل النخاعي لا تعني بالضرورة تحسن جودة النوم لدى الشخص، ولا تثبت بمفردها حدوث فوائد صحية طويلة الأمد.
هل يمكن أن تساعد الضوضاء الوردية في الوقاية من الزهايمر؟
يهتم الباحثون بدراسة حركة السائل النخاعي أثناء النوم بسبب دوره المحتمل في نقل بعض الفضلات من الجهاز العصبي، إلى جانب وجود ارتباطات بحثية بين اضطرابات النوم وبعض العمليات المرتبطة بالأمراض التنكسية العصبية، ومنها مرض الزهايمر.
لكن الدراسة الحالية لم تثبت أن استخدام الضوضاء الوردية يمنع الإصابة بالزهايمر أو الخرف، ولم تختبر فعاليتها في علاج الأشخاص المصابين بهذه الأمراض.
كما أن النتائج الأولية المتعلقة بحركة السائل النخاعي لا تكفي للاستنتاج بأن التحفيز الصوتي يحسن التخلص من البروتينات المرتبطة بالأمراض العصبية أو يقلل خطر الإصابة بها.
ويحتاج هذا المجال إلى دراسات إضافية لتحديد ما إذا كانت التغيرات التي رُصدت أثناء التجربة يمكن أن تؤدي إلى فوائد سريرية فعلية، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون اضطرابات النوم.
هل يمكن تشغيل الضوضاء الوردية في المنزل للحصول على نوم أفضل؟
يستخدم بعض الأشخاص الضوضاء الوردية للمساعدة على الاسترخاء أو حجب الأصوات المحيطة التي قد تعوق النوم، لكن هذه الفائدة المحتملة تختلف من شخص إلى آخر.
ولا تعني نتائج الدراسة أن تشغيل الضوضاء الوردية من الهاتف أو السماعات في المنزل سيؤدي إلى التأثيرات نفسها التي رصدها الباحثون، لأن التجربة اعتمدت على نظام متخصص يحدد توقيت النبضات الصوتية بناءً على نشاط الدماغ.
وإذا كنت ترغب في تجربة الأصوات الهادئة أثناء النوم، فمن الأفضل مراعاة الإرشادات التالية:
اختيار مستوى صوت منخفض ومريح، وتجنب الأصوات المرتفعة لفترات طويلة.
استخدام الأصوات إذا كانت تساعدك على الاسترخاء، والتوقف عنها إذا تسببت في الإزعاج أو تقطع النوم.
الحفاظ على مواعيد منتظمة للنوم والاستيقاظ.
تقليل التعرض للضوء الساطع والشاشات قبل موعد النوم.
تهيئة غرفة نوم هادئة ومظلمة وذات درجة حرارة مناسبة.
وإذا استمرت صعوبات النوم أو صاحبها شخير مرتفع أو توقف ملحوظ في التنفس أثناء النوم أو نعاس شديد خلال النهار، فمن الأفضل استشارة الطبيب لتحديد السبب.
نتائج واعدة لكنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من الأبحاث
رغم أهمية النتائج، فإن الدراسة شملت عددًا محدودًا من المشاركين الأصحاء، ما يجعل من الصعب تعميمها على جميع الأشخاص.
كما أن الباحثين اختبروا تقنية متخصصة للتحفيز الصوتي المتزامن مع نشاط الدماغ، وليس مجرد الاستماع إلى الضوضاء الوردية بالطريقة المعتادة.
وتظل هناك حاجة إلى دراسات أكبر لتحديد مدى استمرار هذه التأثيرات، وما إذا كانت تحقق تحسنًا ملموسًا في جودة النوم أو فوائد صحية طويلة الأمد.





