
يُعد الجلوتين من البروتينات الموجودة بصورة طبيعية في القمح والشعير والجاودار، إلا أن تأثيره على الجسم يختلف من شخص إلى آخر. وبينما يمثل تجنب الجلوتين ضرورة صحية بالنسبة للمصابين بمرض السيلياك، تظل علاقته ببعض اضطرابات الجهاز الهضمي وأمراض المناعة الذاتية محل دراسة وبحث علمي.
وتشير الأدلة المتاحة إلى أن اتباع نظام غذائي خالٍ من الجلوتين قد يخفف بعض الأعراض لدى فئات معينة، لكنه لا يعني بالضرورة أن جميع المصابين بالقولون العصبي أو أمراض المناعة الذاتية يحتاجون إلى استبعاده من نظامهم الغذائي.
ما هو الجلوتين ومتى يجب تجنبه؟
الجلوتين عبارة عن مجموعة من البروتينات الموجودة في القمح والشعير والجاودار، وهو المسؤول عن منح العجين مرونته وقوامه المميز.
ويحتاج المصابون بمرض السيلياك إلى تجنب الجلوتين بصورة كاملة ولمدى الحياة، لأن تناوله يؤدي لديهم إلى استجابة مناعية تضر بطانة الأمعاء الدقيقة، ما قد يسبب آلام البطن وسوء امتصاص العناصر الغذائية ونقص بعض الفيتامينات والمعادن، إضافة إلى زيادة احتمالات حدوث مضاعفات صحية.
أما الأشخاص الذين يعانون من حساسية الجلوتين غير المرتبطة بالسيلياك، فقد تظهر لديهم أعراض مثل الانتفاخ وآلام البطن ومشكلات الهضم بعد تناول الأطعمة التي تحتوي عليه، دون أن يصاحب ذلك الضرر المعوي المميز لمرض السيلياك.
الجلوتين والقولون العصبي.. ماذا تقول الدراسات؟
يرتبط القولون العصبي بمجموعة من الأعراض الهضمية، أبرزها ألم البطن والغازات والانتفاخ والإسهال، بينما يعاني بعض المرضى أيضًا من الإمساك.
وتشير بعض الدراسات إلى أن الجلوتين ربما يؤدي إلى زيادة الأعراض لدى بعض المصابين بالقولون العصبي، إلا أن نتائج الأبحاث ليست متطابقة، وبالتالي لا يمكن اعتبار الجلوتين سببًا رئيسيًا للأعراض لدى جميع المرضى.
وفي دراسة صغيرة، أدى الجمع بين تقليل الكربوهيدرات القابلة للتخمر المعروفة باسم FODMAPs وتجنب الجلوتين إلى انخفاض أعراض القولون العصبي لدى 30 مشاركًا أكملوا التجربة بعد 6 أسابيع.
كما وجدت تجربة أخرى، شملت 34 شخصًا مصابًا بالقولون العصبي وغير مصابين بالسيلياك، أن تناول الجلوتين بعد اتباع نظام خالٍ منه لمدة 6 أسابيع ارتبط بزيادة أعراض الجهاز الهضمي مقارنة بالمجموعة التي تلقت علاجًا وهميًا.
وفي دراسة ثالثة ضمت 60 مشاركًا، ارتبطت إعادة تناول الجلوتين بزيادة شدة آلام البطن والانتفاخ والإرهاق مقارنة بالمجموعة التي تلقت العلاج الوهمي.
لكن دراسة أحدث شملت 103 مشاركين قدمت نتائج مختلفة، إذ وجدت زيادة متواضعة في شدة أعراض القولون العصبي مع تناول FODMAPs، بينما لم تسجل فروق واضحة بين مجموعة الجلوتين ومجموعة العلاج الوهمي.
هل الفركتانز هو السبب في بعض أعراض القولون؟
تلفت الدراسات الانتباه إلى أن بعض الأطعمة التي تحتوي على الجلوتين تحتوي أيضًا على نوع من الكربوهيدرات يعرف باسم الفركتانز.
ويمكن أن تتخمر هذه الكربوهيدرات بواسطة البكتيريا الموجودة في الأمعاء، وهو ما قد يؤدي إلى تكوين الغازات والشعور بالانتفاخ لدى بعض الأشخاص.
ولهذا السبب، فإن ظهور أعراض بعد تناول منتجات تحتوي على القمح لا يعني بالضرورة أن الجلوتين هو المسؤول عنها، إذ يمكن أن تكون مكونات أخرى في الطعام وراء الأعراض.
هل يرتبط الجلوتين بالسكري من النوع الأول؟
السكري من النوع الأول أحد أمراض المناعة الذاتية، حيث يهاجم الجهاز المناعي الخلايا المسؤولة عن إنتاج الإنسولين في البنكرياس.
وتشير المراجعة العلمية التي تناولها التقرير إلى أن نحو 4 إلى 5% من المصابين بالسكري من النوع الأول يعانون أيضًا من مرض السيلياك، ويرتبط ذلك جزئيًا بوجود عوامل وراثية ومناعية مشتركة بين المرضين.
كما تبحث الدراسات في دور عوامل أخرى، من بينها التغيرات التي تحدث في ميكروبات الأمعاء وبعض أنواع العدوى، في تطور هذه الاضطرابات لدى الأشخاص الذين لديهم استعداد وراثي.
ورغم دراسة إمكانية ارتباط النظام الغذائي الخالي من الجلوتين بخطر الإصابة بالسكري من النوع الأول، فإن الأدلة الحالية لا تكفي للتوصية بتجنب الجلوتين بهدف الوقاية من المرض لدى عامة الناس.
هل يفيد النظام الخالي من الجلوتين مرضى هاشيموتو؟
توجد علاقة معروفة بين مرض السيلياك وبعض أمراض الغدة الدرقية المناعية، ومنها التهاب الغدة الدرقية لهاشيموتو، لكن ذلك لا يعني أن الجلوتين يسبب أمراض الغدة الدرقية لدى جميع الأشخاص.
وتبحث بعض الفرضيات العلمية في دور ميكروبات الأمعاء وزيادة نفاذية جدارها والتفاعلات المناعية في العلاقة بين الجهاز الهضمي والغدة الدرقية.
وفي دراسة تجريبية صغيرة شملت 34 امرأة مصابة بالتهاب هاشيموتو ولم يسبق لهن تلقي علاج دوائي، اتبعت مجموعة منهن نظامًا غذائيًا خاليًا من الجلوتين لمدة 6 أشهر، بينما لم تحصل المجموعة الأخرى على التدخل الغذائي نفسه.
وأظهرت النتائج انخفاض مستويات الأجسام المضادة للغدة الدرقية وتحسنًا محدودًا في مستويات فيتامين D لدى المجموعة التي امتنعت عن الجلوتين.
لكن هذه النتائج لا تكفي لإثبات أن النظام الخالي من الجلوتين يحسن وظائف الغدة الدرقية لدى جميع المصابين بهاشيموتو، كما خلصت مراجعة علمية أخرى إلى عدم وجود أدلة كافية للتوصية باستبعاد الجلوتين بصورة روتينية لدى جميع مرضى هاشيموتو.
الجلوتين والتهاب المفاصل الروماتويدي
التهاب المفاصل الروماتويدي من أمراض المناعة الذاتية المزمنة، ويمكن أن يسبب التهاب المفاصل والألم والتورم، فضلًا عن تأثيره في الحركة وجودة الحياة.
وتناول التقرير دراسة أجريت على 40 شخصًا يعانون من زيادة الوزن أو السمنة والتهاب المفاصل الروماتويدي المزمن، وقارنت بين نظام غذائي يستبعد اللحوم والجلوتين واللاكتوز ومنتجات الألبان، ونظام غذائي متوازن يشمل هذه الأطعمة.
وأظهرت النتائج تحسن بعض مؤشرات الصحة البدنية والنفسية لدى المشاركين الذين اتبعوا النظام الإقصائي، إلى جانب انخفاض ضغط الدم وبعض مؤشرات الالتهاب.
ومع ذلك، لا تثبت هذه النتائج أن الجلوتين هو سبب التهاب المفاصل الروماتويدي أو أن الامتناع عنه وحده يمكن أن يعالج المرض، خصوصًا أن النظام المستخدم في الدراسة استبعد عدة مجموعات غذائية وليس الجلوتين فقط.
ما أفضل الأطعمة الخالية من الجلوتين؟
عند اتباع نظام غذائي خالٍ من الجلوتين، يجب الحرص على تعويض العناصر الغذائية التي قد تقل بسبب استبعاد بعض الحبوب، ومن أبرز الخيارات:
الحبوب الخالية من الجلوتين: الأرز البني والذرة والدخن والكينوا والحنطة السوداء والشوفان المعتمد الخالي من الجلوتين.
الفواكه والخضراوات: مثل البرتقال والتوت والجزر والفاصوليا الخضراء والبطاطس، مع مراعاة الأطعمة التي تناسب مرضى القولون العصبي.
منتجات الألبان: الحليب والزبادي والجبن القريش قليل الدسم، كمصادر للكالسيوم والبروتين وفيتامينات مجموعة B، مع مراعاة الأشخاص الذين يعانون من عدم تحمل اللاكتوز.
البقوليات: العدس والفاصوليا والحمص، وهي مصادر مهمة للألياف والبروتين النباتي.
الأسماك والمأكولات البحرية: مثل السلمون والتونة والماكريل والجمبري، للحصول على البروتين وأحماض أوميجا 3.
اللحوم والدواجن قليلة الدهون: للحصول على البروتين والحديد والزنك.
المكسرات والبذور: مثل اللوز والجوز والفول السوداني، التي توفر الدهون الصحية والبروتين وفيتامين E وبعض المعادن.
هل يجب على الجميع التوقف عن تناول الجلوتين؟
لا تشير الأدلة الحالية إلى ضرورة اتباع جميع الأشخاص لنظام غذائي خالٍ من الجلوتين، كما أن المنتجات المكتوب عليها «خالية من الجلوتين» ليست بالضرورة أكثر صحة من المنتجات العادية.
وقد تكون بعض هذه المنتجات منخفضة في الألياف والحديد وفيتامينات مجموعة B، خاصة عندما تعتمد على الحبوب المكررة.
ولهذا، فإن استبعاد الجلوتين من النظام الغذائي ينبغي أن يستند إلى سبب طبي واضح، خاصة عند الاشتباه في الإصابة بمرض السيلياك.
ومن المهم أيضًا إجراء الفحوصات اللازمة قبل البدء في نظام خالٍ من الجلوتين عند الاشتباه في السيلياك، لأن الامتناع عن الجلوتين قبل إجراء الاختبارات يمكن أن يؤثر في دقة نتائج التشخيص.





