اهم الأخبارمقالات

الحصبة ولقاحها: لماذا تثير المخاوف والشكوك؟.. بقلم د. إسلام عنان

في عام 2024 وحده مات نحو 95 ألف إنسان بسبب الحصبة، أغلبهم أطفال دون الخامسة لم يحصلوا على اللقاح أو حصلوا على جرعة ناقصة.

وفي المقابل، أنقذ هذا اللقاح نفسه قرابة 59 مليون حياة بين عامي 2000 و2024، بحسب منظمة الصحة العالمية.

ومع انطلاق الحملة القومية للتطعيم ضد الحصبة والحصبة الألمانية في مصر، امتلأت صفحات التواصل الاجتماعي بأسئلة مشروعة وشائعات غير مشروعة، فكان لا بد من وقفة علمية هادئة تضع الحقائق أمام كل أب وأم قبل أن يقررا.

أولاً: الحصبة والحصبة الألمانية، مرضان لا يستهان بهما

الحصبة من أشد الأمراض المعدية التي عرفها الإنسان. فالمريض الواحد قد ينقل العدوى إلى ما بين 12 و18 شخصاً غير محصنين، والفيروس يبقى معلقاً في هواء الغرفة لساعتين بعد خروج المصاب منها.

وتبدأ الأعراض عادة بعد 10 إلى 14 يوماً من التعرض للفيروس، بحرارة مرتفعة ورشح وسعال واحمرار بالعين، ثم يظهر الطفح الجلدي المعروف.

لكن الخطر الحقيقي ليس في الطفح، بل في المضاعفات، ومنها:
– التهاب الرئة، وهو السبب الأول للوفاة بين الأطفال المصابين.
– التهاب الأذن الوسطى، ويصيب نحو طفل من كل عشرة، وقد يترك ضعفاً دائماً في السمع.
– التهاب الدماغ، ويصيب نحو طفل من كل ألف، وقد يخلّف تلفاً دائماً في المخ.
– العمى والإسهال الشديد والجفاف، خاصة لدى الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية.
– التهاب الدماغ المتصلب تحت الحاد، وهو مضاعفة نادرة ومميتة تظهر بعد سنوات من الإصابة.
– ما يسميه العلماء «فقدان الذاكرة المناعية»، إذ يمسح الفيروس جزءاً كبيراً من الأجسام المضادة التي كوّنها الطفل سابقاً ضد أمراض أخرى، فيصبح عرضة لعدوى كان محصناً ضدها.
أما عن نسب الوفاة، فتتراوح بين حالة إلى ثلاث حالات من كل ألف مصاب في الدول المتقدمة، وترتفع أضعافاً في المجتمعات الفقيرة وأماكن النزاعات.

وقبل ظهور اللقاح عام 1963 كانت الأوبئة الكبرى تتكرر كل عامين أو ثلاثة، وتحصد نحو 2.6 مليون روح سنوياً. ومع التطعيم انخفضت الوفيات من نحو 780 ألفاً عام 2000 إلى 95 ألفاً عام 2024، أي بنسبة 88 بالمئة.

ورغم ذلك عادت الإصابات للارتفاع لتصل إلى نحو 11 مليون إصابة عالمياً في 2024، والسبب الرئيسي هو تراجع نسب التطعيم.

أما الحصبة الألمانية، فهي غالباً مرض خفيف لدى الأطفال، وهنا تكمن خطورتها، لأنها تمر دون أن ينتبه إليها أحد ثم تنتقل إلى امرأة حامل.

فإذا أصيبت الأم في الأسابيع الأولى من الحمل، فقد تصل احتمالية إصابة الجنين بما يعرف بمتلازمة الحصبة الألمانية الخلقية إلى 90 بالمئة، وهي تشمل الصمم والعمى وعيوب القلب الخلقية والتأخر الذهني، إلى جانب الإجهاض وموت الجنين.

وما زال نحو 100 ألف طفل يولدون بهذه المتلازمة كل عام حول العالم، رغم وجود لقاح آمن ورخيص. لذلك فإن تطعيم أطفالنا اليوم هو حماية لأمهات الغد ولأجيال لم تولد بعد.

ثانياً: قصة اللقاح، وكيف يُصنع الفيروس الواهن

بدأت القصة عام 1954 حين نجح العالم الأمريكي جون إندرز وفريقه في عزل فيروس الحصبة من طفل مريض. وبعد سنوات من العمل، رُخّص أول لقاح للحصبة عام 1963، ثم لقاح الحصبة الألمانية عام 1969، ثم جُمعا مع لقاح النكاف في اللقاح الثلاثي عام 1971.

أي أننا أمام لقاح عمره أكثر من ستين عاماً، أُعطي منه مليارات الجرعات حول العالم، وهو نفس اللقاح الذي حصلنا عليه نحن وآباؤنا.

أما فكرة «الفيروس الواهن» فبسيطة وذكية. يُزرع الفيروس في المعمل داخل خلايا خارج جسم الإنسان، ويُنقل من مزرعة إلى أخرى عشرات المرات وفي درجات حرارة أقل من حرارة الجسم.

ومع كل جيل يتكيف الفيروس على حياة المعمل ويفقد تدريجياً قدرته على إحداث المرض في الإنسان، مع احتفاظه بشكله الخارجي الذي يتعرف عليه الجهاز المناعي. والنتيجة فيروس «مستأنس» يشبه العدو في ملامحه، لكنه بلا أنياب.

وهنا يأتي دور التدريب. حين يدخل اللقاح الجسم، يتكاثر الفيروس الواهن بقدر محدود جداً، فيتعامل معه الجهاز المناعي كأنه عدوى حقيقية، لكن دون مرض.

فيصنع أجساماً مضادة متخصصة، وينشّط خلايا مناعية مقاتلة، والأهم أنه يحفظ «ملفاً» كاملاً عن العدو في خلايا الذاكرة المناعية. فإذا جاء الفيروس الحقيقي يوماً ما، لا ينتظر الجسم فترة حضانة ولا يرتبك، بل يقضي عليه فوراً قبل أن يتكاثر.

وتمنح جرعة واحدة من لقاح الحصبة حماية بنسبة تقارب 93 بالمئة، وترتفع إلى نحو 97 بالمئة بعد الجرعتين، بينما تكفي جرعة واحدة من لقاح الحصبة الألمانية لحماية تمتد غالباً مدى الحياة.

ولهذا يحصل الطفل في مصر على اللقاح الثلاثي روتينياً في عمر سنة وسنة ونصف.

ثالثاً: ماذا يوجد داخل حقنة اللقاح؟

الجرعة كلها نصف مليلتر فقط، ومكوناتها معروفة ومعلنة في نشرة كل لقاح، وتنقسم إلى قسمين:

1. المادة الفعالة:
فيروس الحصبة الواهن وفيروس الحصبة الألمانية الواهن.

2. المواد غير الفعالة:
وهي مواد مساعدة وظيفتها حماية الفيروس الواهن وتثبيته حتى يصل إلى الطفل سليماً، وتشمل:
– مثبتات مثل الجيلاتين المتحلل والسوربيتول، وهو سكر كحولي يُستخدم في الأغذية والأدوية.
– أحماض أمينية، وهي نفس مكونات البروتين الموجودة في طعامنا اليومي.
– آثار ضئيلة جداً من مضاد حيوي هو النيومايسين، تُستخدم لمنع تلوث المزارع أثناء التصنيع، وتُقاس بالميكروجرام.
– ماء معقم يُذاب فيه اللقاح قبل الحقن مباشرة.
والأهم هو ما لا يحتويه اللقاح عكس ما أطلق من شائعات، فلقاح الحصبة والحصبة الألمانية لا يحتوي على ألومنيوم، ولا على زئبق، ولا على فورمالديهايد، ولا على كلور.

وكل مادة من هذه المواد موجودة بكميات أقل بكثير من حدود الأمان العلمية، فالقاعدة الذهبية في علم السموم أن «السم في الجرعة» وليس في الاسم.

فالماء نفسه قد يقتل إذا شربه الإنسان بكميات هائلة، والملح كذلك. وجسم الرضيع يتعامل يومياً مع كميات من هذه المواد عبر الغذاء والتمثيل الغذائي الطبيعي تفوق ما في الحقنة بمرات كثيرة.

كما أن اللقاح المستخدم في الحملات القومية مُعتمد مسبقاً من منظمة الصحة العالمية، ويخضع لرقابة هيئة الدواء المصرية قبل توزيعه، ويُحفظ في سلسلة تبريد صارمة من المصنع حتى ذراع الطفل.

رابعاً: أسئلة شائعة وإجابات العلم

جمعت هنا أكثر الأسئلة التي وصلتني من المتابعين، مع إجابات مختصرة مبنية على الأدلة العلمية.

هل يسبب لقاح الحصبة التوحد؟

– لا. أصل هذه الشائعة دراسة نُشرت عام 1998 على 12 طفلاً فقط، ثم سُحبت رسمياً وثبت تلاعب صاحبها في بياناتها وسُحب منه ترخيص مزاولة المهنة.

وفي المقابل، تابعت دراسة دنماركية أكثر من 650 ألف طفل، وحللت مراجعات علمية بيانات أكثر من مليون طفل، ولم تجد أي علاقة بين اللقاح والتوحد.

هل خُلط لقاح الحصبة بلقاح كورونا؟

– هذه شائعة لا أساس لها. لقاح الحصبة والحصبة الألمانية منتج مستقل تماماً، يُصنع في خطوط إنتاج خاصة به، ويصل في عبوات مغلقة ومختومة بتركيبة ثابتة ومعلنة ومعتمدة من منظمة الصحة العالمية.

كما أن لقاحات كورونا تختلف عنه جذرياً في طريقة التصنيع وظروف الحفظ، والخلط بينهما مستحيل علمياً وعملياً، فضلاً عن أنه لا يحقق أي هدف.

أطفالنا حصلوا على جرعتين روتينيتين، فلماذا جرعة الحملة؟

– الجرعتان تحميان نحو 97 بالمئة من الأطفال، لكن هناك أطفال فاتتهم جرعة، ونسبة صغيرة لم تستجب أجسامهم للقاح.

والحملة بمثابة «مسح شامل» يلتقط هؤلاء جميعاً لرفع المناعة المجتمعية إلى 95 بالمئة، وهي النسبة التي تمنع الفيروس من الانتشار.

أما الطفل المحصن أصلاً، فالجرعة الإضافية لا تضره، لأن أجسامه المضادة تقضي على الفيروس الواهن فوراً.

لماذا يبدأ التطعيم من عمر تسعة أشهر، ولماذا يتوقف عند عشر سنوات؟

– قبل تسعة أشهر يحمل الرضيع أجساماً مضادة انتقلت إليه من أمه، وهي تعطل مفعول اللقاح، لذلك ننتظر حتى تتلاشى.

أما الحد الأعلى فمرتبط بتخطيط الحملات، فآخر حملة قومية كانت عام 2015 وغطت الأطفال من تسعة أشهر حتى عشر سنوات، أي أن من تجاوزوا العاشرة اليوم حصلوا عليها حينها، والحملة الحالية تستهدف الأجيال التي وُلدت بعدها.

هل الجرعة تُحسب حسب وزن الطفل؟

– لا، الجرعة ثابتة لكل الأطفال وهي نصف مليلتر، ولا علاقة لها بالوزن.

والأعراض المتوقعة بعد اللقاح بسيطة غالباً، مثل ارتفاع خفيف في الحرارة أو طفح بسيط بعد أسبوع إلى أسبوعين.

وأي عرض غير معتاد يجب أن يُعرض على الطبيب ويُبلغ عنه لهيئة الدواء المصرية عبر منظومة اليقظة الدوائية للتحقق منه.

اللقاح يحتوي على النيومايسين، فهل يضر الأطفال ضعاف السمع؟

– النيومايسين يؤثر على السمع عندما يُعطى كعلاج بجرعات تُقاس بالجرامات، أما في اللقاح فهو مجرد آثار تُقاس بالميكروجرام، أي أقل بعشرات الآلاف من المرات.

والمانع الوحيد هو الحساسية الشديدة من النيومايسين نفسه. بل إن الطفل ضعيف السمع أحوج من غيره للقاح، لأن الحصبة قد تسبب فقدان السمع، والحصبة الألمانية من أشهر أسباب الصمم الخلقي.

هل «الفيروس الواهن» حقيقة أم خدعة؟

– حقيقة علمية عمرها أكثر من ستين عاماً، وهي الأساس الذي قامت عليه لقاحات الحصبة وشلل الأطفال الفموي والحمى الصفراء، وكلها ساهمت في إنقاذ مئات الملايين من الأرواح.

أليست المناعة الطبيعية أفضل من اللقاح؟

– المناعة الطبيعية قد تأتي بثمن مثل التهاب في الرئة أو الدماغ أو فقدان للسمع أو حتى الوفاة، إضافة إلى مسح الذاكرة المناعية للطفل.

أما اللقاح فيمنح الحماية نفسها تقريباً دون أن يدفع الطفل هذا الثمن.

هل يجربون اللقاحات على أطفالنا أولاً؟

– هذا اللقاح يُستخدم منذ عام 1963، وأُعطيت منه مليارات الجرعات في أمريكا وأوروبا وآسيا وأفريقيا.

ولو كانت هناك تجربة، فقد انتهت قبل أن يولد معظم آباء اليوم.

إذا كان التطعيم مجانياً، فما المقابل؟

– التطعيم ليس مجانياً، بل يدفع المواطن ثمنه من الموازنة العامة. والدولة تموله لأنه من أعلى التدخلات الصحية عائداً.

فتكلفة علاج تفشٍ واحد للحصبة من مستشفيات وعناية مركزة وإعاقات ووفيات تفوق تكلفة الحملة بأضعاف.

يقال إن التطعيم لا يمنع المرض بل يخفف أعراضه فقط، وإن أمريكا نفسها ترفضه؟

– الجرعتان تمنعان العدوى بنسبة تقارب 97 بالمئة. وما يحدث في الولايات المتحدة دليل لصالح اللقاح لا ضده، فقد سجلت أسوأ موجة حصبة منذ عام 1991 بسبب تراجع التطعيم في بعض المجتمعات.

وفي ساموا عام 2019، أدى الخوف من اللقاح إلى تفشٍ راح ضحيته 83 شخصاً معظمهم من الأطفال.

هل الأطفال المطعمون يمرضون أكثر من غيرهم كما تقول بعض المقاطع المنتشرة؟

– هذه المقاطع تستند غالباً إلى دراسات لم تُنشر في أي مجلة علمية محكمة، ومعظمها من غير متخصصين، وتحمل خطأً منهجياً شهيراً، فالطفل المطعم يزور الطبيب بانتظام أكثر، فتُكتشف لديه أمراض لم تكن لتُكتشف لدى غيره.

والدراسات الكبرى المحكمة لم تجد هذه العلاقة.

خامساً: الحملة القومية 2026، كل ما تحتاج معرفته

أطلقت وزارة الصحة والسكان الحملة القومية للتطعيم ضد الحصبة والحصبة الألمانية يوم 25 أكتوبر 2026، وتستمر لمدة ثلاثة أسابيع حتى منتصف نوفمبر تقريباً.

وتهدف الحملة إلى الحفاظ على ما حققته مصر من إشهاد دولي بالقضاء على الانتقال المستوطن للمرضين، في وقت تشهد فيه دول عديدة حول العالم موجات تفشٍ متتالية.

تفاصيل الحملة:
– الفئة المستهدفة: الأطفال من عمر 9 أشهر حتى 10 سنوات.
– عدد المستهدفين: نحو 21 مليون طفل من المصريين وغير المصريين المقيمين.
– اللقاح المستخدم: اللقاح الثنائي ضد الحصبة والحصبة الألمانية.
– التكلفة: مجاناً بالكامل.
– أماكن التطعيم: الوحدات والمراكز الصحية ومكاتب الصحة، والمدارس الحكومية والخاصة والدولية والمعاهد الأزهرية، والحضانات، والفرق المتنقلة.
– حجم الحملة: نحو 23 مليون جرعة، وأكثر من 14 ألف فرقة تطعيم في المحافظات السبع والعشرين.
– للاستفسار: الخط الساخن لوزارة الصحة 105.
وقد أكدت الوزارة أن جرعة الحملة ليست بديلاً عن التطعيم الروتيني، فالطفل يحصل على اللقاح الثلاثي في موعده الطبيعي.

وإذا تزامن موعد الجرعة الروتينية مع الحملة، يُفضل الفصل بينهما بأربعة أسابيع، مع اتباع توجيهات طبيب الأطفال.

وتجدر الإشارة إلى أن حملة 2015 السابقة حققت تغطية تجاوزت 98 بالمئة، وكان السبب الأول لعدم تطعيم من فاتهم اللقاح حينها هو عدم معرفة الأهل بالحملة، لا رفضهم لها.

سادساً: الخلاصة

على مستوى الأسرة:

تأكد من أن طفلك بين عمر تسعة أشهر وعشر سنوات حصل على جرعة الحملة قبل انتهائها، وراجع شهادة التطعيمات الروتينية، وإذا كان لديك أي سؤال عن حالة طفلك الصحية فاسأل الطبيب أو اتصل بالرقم 105، لا مقاطع التواصل الاجتماعي.

على مستوى المجتمع:

كل طفل يحصل على اللقاح يحمي معه رضيعاً لم يبلغ سن التطعيم بعد، وطفلاً مريضاً لا يستطيع أخذه، وأماً حاملاً تخشى على جنينها.

فالمناعة المجتمعية لا تتحقق إلا إذا شاركنا جميعاً.

بقلم: د. إسلام عنان، استشاري اقتصاديات الصحة والسياسات الصحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى