
يرتبط اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD) عادةً بالتشتت وصعوبة التركيز، لكن التحديات التي يواجهها المصابون به قد تتجاوز ذلك، لتشمل صعوبة بدء المهام وتنظيم الوقت والاستمرار في العمل حتى الانتهاء منه، رغم إدراك أهمية المطلوب والرغبة في إنجازه، وفقًا لتقرير نشره موقع «تايمز ناو».
وتسلط هذه الصورة الضوء على دور الوظائف التنفيذية في الدماغ، وهي مجموعة من القدرات العقلية التي تساعد الإنسان على تنظيم سلوكه وإدارة أولوياته وتحويل الخطط إلى خطوات عملية، ما يفسر جانبًا من الصعوبات اليومية التي قد يواجهها المصابون بالاضطراب.
هل يواجه المصابون باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه صعوبة في بدء المهام؟
ناقش الطبيب النفسي الدكتور أويس أفتاب، في مقال بصحيفة «نيويورك تايمز»، مدى قدرة مصطلح «نقص الانتباه» على وصف جميع التحديات المرتبطة بالاضطراب.
فبعض المصابين يستطيعون التركيز لفترات طويلة على الأنشطة التي تثير اهتمامهم، مثل الألعاب والهوايات والموضوعات المفضلة، لكنهم يواجهون صعوبة في إنجاز مهام روتينية، مثل الواجبات الدراسية والأعمال المنزلية والمهام المهنية.
ولا يعني ذلك بالضرورة غياب القدرة على الانتباه، بل قد ترتبط المشكلة بصعوبة الانتقال من التفكير في المهمة إلى البدء بها، أو الحفاظ على الجهد اللازم لإكمالها.
وقد يعرف الشخص ما يجب عليه فعله، ويدرك عواقب التأجيل، لكنه يجد نفسه عاجزًا عن البدء أو يستمر في تأجيل المهمة رغم رغبته في إنجازها.
ولا تنفي هذه الصورة الطبيعة الحقيقية للاضطراب أو فاعلية علاجاته المعتمدة، وإنما تساعد على فهم الجوانب المختلفة التي قد تتأثر لدى المصابين به.
ما دور الوظائف التنفيذية في اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه؟
تساعد الوظائف التنفيذية على التخطيط وتنظيم السلوك وإدارة الوقت والتحكم في الاستجابات، كما تتيح للفرد تحويل النوايا إلى أفعال ملموسة.
وقد ترتبط صعوبات بعض المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه بتحديات في هذه الوظائف، التي تشمل عدة قدرات أساسية:
بدء المهام: القدرة على اتخاذ الخطوة الأولى بدلًا من الاستمرار في التفكير والتأجيل.
الاستمرار في العمل: الحفاظ على الجهد والانتباه حتى إتمام المهمة، خاصةً إذا كانت روتينية أو غير ممتعة.
الذاكرة العاملة: الاحتفاظ بالمعلومات الضرورية واستخدامها أثناء تنفيذ الخطوات المختلفة.
تنظيم الوقت والأولويات: تحديد المهام الأكثر أهمية وتوزيع الوقت والجهد بينها.
التحكم في الاندفاعات: مقاومة المشتتات وتأجيل الاستجابات السريعة عند الحاجة.
وعندما تتأثر بعض هذه القدرات، قد يصبح تنظيم المهام اليومية أكثر صعوبة، حتى لو كان الشخص يمتلك المهارات اللازمة لإنجازها ويفهم المطلوب منه جيدًا.
وتختلف طبيعة الأعراض وشدتها من شخص إلى آخر، فقد تكون صعوبات التنظيم وبدء المهام أكثر وضوحًا لدى البعض، بينما يظهر فرط النشاط أو الاندفاع بصورة أكبر لدى آخرين.
لماذا يستطيع المصاب التركيز على هواية ويؤجل واجباته؟
قد يبدو متناقضًا أن يقضي الشخص ساعات في ممارسة لعبة أو نشاط يحبه، بينما يؤجل مهمة دراسية أو مهنية بسيطة.
ويمكن أن يسهم اختلاف مستوى الاهتمام والتحفيز والمكافأة المتوقعة في تفسير هذا التباين؛ فالأنشطة الممتعة قد تجعل الاستمرار أسهل، بينما تتطلب المهام الروتينية جهدًا أكبر للبدء فيها والمحافظة على التركيز خلالها.
لكن التركيز الشديد على نشاط مفضل لا يُعد دليلًا كافيًا على الإصابة باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، كما أن التسويف أو الملل من المهام اليومية لا يعنيان بالضرورة وجود اضطراب.
ويعتمد التشخيص على نمط مستمر من الأعراض التي تؤثر في الأداء اليومي، مع مراعاة تاريخ ظهورها ومدى وجودها في سياقات مختلفة، واستبعاد الأسباب الأخرى المحتملة.
كيف تؤثر أدوية اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه في الدماغ؟
تُستخدم الأدوية المنشطة، إلى جانب خيارات علاجية أخرى، للمساعدة على تخفيف أعراض اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه لدى الأشخاص الذين تستدعي حالتهم العلاج.
وتشير الأبحاث إلى أن تأثير الأدوية قد يمتد إلى جوانب متعددة من الأداء اليومي، بما فيها الانتباه والتحكم في الاندفاعات، وقد تساعد بعض المرضى على التعامل مع المهام بصورة أكثر فاعلية.
وقد استشهد أفتاب بأبحاث منشورة في مجلة «Cell» خلال مناقشته لآليات تأثير الأدوية المنشطة في الدماغ، إلا أن التفاصيل الدقيقة لهذه الآليات لا تزال موضع بحث علمي.
وفي بعض الدراسات، ارتبط استخدام أدوية الاضطراب بانخفاض معدلات بعض النتائج السلبية، مثل الإصابات والحوادث. لكن هذه الارتباطات لا تعني أن الأدوية تضمن الوقاية من هذه المخاطر، كما لا تعني ملاءمتها لجميع المرضى.
ويعتمد اختيار العلاج على تقييم طبي فردي، مع متابعة الاستجابة والآثار الجانبية، وعدم بدء الدواء أو تغيير جرعته دون إشراف الطبيب.
هل تزيد الحياة الحديثة صعوبة التعامل مع أعراض الاضطراب؟
قد تجعل متطلبات العمل والدراسة المتزايدة إدارة المهام أكثر صعوبة لدى بعض المصابين، خاصةً في البيئات التي تتطلب الانتقال المستمر بين مسؤوليات متعددة والتعامل مع الإشعارات والمقاطعات الرقمية.
كما يمكن أن تزيد قلة النوم والضغوط النفسية والقلق من صعوبة التركيز وتنظيم الوقت وإنجاز المهام، سواء لدى المصابين بالاضطراب أو غيرهم.
لكن وجود هذه الصعوبات لا يكفي لتشخيص اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، إذ يجب تقييم طبيعة الأعراض واستمرارها وتأثيرها في الحياة اليومية، مع مراعاة التاريخ الصحي والعوامل الأخرى التي قد تفسرها.
متى ينبغي استشارة الطبيب؟
يُنصح بطلب تقييم من مختص إذا استمرت صعوبات الانتباه أو بدء المهام أو تنظيم الوقت أو التحكم في الاندفاعات، وأصبحت تؤثر بصورة واضحة في الدراسة أو العمل أو العلاقات أو المسؤوليات اليومية.
وقد يشمل التقييم مراجعة تاريخ الأعراض منذ الطفولة، ومدى ظهورها في أكثر من بيئة، وتأثيرها في الأداء، إلى جانب تقييم احتمالات أخرى مثل اضطرابات النوم والقلق والاكتئاب.
ولا يعتمد التشخيص على اختبار واحد أو على قدرة الشخص على التركيز في هواية مفضلة، بل يتطلب تقييمًا شاملًا يجريه مختص.
والأهم أن صعوبة إنجاز المهام لا تعني دائمًا الكسل أو ضعف الإرادة؛ فقد تتداخل عوامل نفسية وصحية ومعرفية في تفسيرها. ويساعد فهم السبب الحقيقي على اختيار الاستراتيجيات المناسبة والعلاج عند الحاجة.





