الأخباراهم الأخبارسلامتكصحتك

لماذا نتذكر أشياء وننسى أخرى؟ رحلة داخل المخ تكشف كيف تتشكل الذكريات

لماذا يمكن لرائحة معينة أن تعيد إلى ذاكرتك تفاصيل من الطفولة بعد سنوات طويلة؟ وكيف نتذكر ملامح شخص التقيناه منذ زمن، بينما نعجز أحيانًا عن تذكر ما تناولناه في اليوم السابق؟

الإجابة ترتبط بواحدة من أكثر العمليات تعقيدًا في الدماغ، وهي تكوين الذكريات وتثبيتها ثم استرجاعها. فالذاكرة لا تُخزن في مكان واحد داخل المخ كما تُحفظ الملفات، وإنما تنتج عن سلسلة من التغيرات والتفاعلات بين مجموعات من الخلايا العصبية.

وتتأثر هذه العملية بما نراه ونسمعه ونشعر به، إلى جانب تجاربنا السابقة ومدى انتباهنا للمعلومات الجديدة.

البداية.. عندما يلفت حدث ما انتباه الدماغ
عندما يمر الإنسان بتجربة جديدة، لا يسجل الدماغ جميع تفاصيلها بالدرجة نفسها. ويلعب الانتباه والمشاعر والسياق المحيط بالحدث دورًا في تحديد المعلومات التي يتم ترميزها وتخزينها بصورة أقوى.

وتنشط مجموعات من الخلايا العصبية معًا أثناء التجربة، ثم تتغير قوة الاتصالات بينها. ويشير العلماء إلى بعض التغيرات العصبية المرتبطة بتجربة معينة بمصطلح “أثر الذاكرة” أو Engram، وهي مجموعة من التغيرات التي يمكن إعادة تنشيطها عند استدعاء الذكرى لاحقًا.

الحُصين.. عنصر أساسي في تكوين الذكريات
يعد الحُصين (Hippocampus) من أهم مناطق الدماغ المشاركة في تكوين الذكريات الجديدة، خصوصًا الذكريات المرتبطة بالأحداث والتجارب ومكان حدوثها وزمنها.

لكن الحُصين لا يعمل كمخزن لجميع الذكريات، بل يؤدي دورًا أشبه بالمنظم الذي يساعد على ربط العناصر المختلفة للتجربة، مثل الأشخاص والأماكن والمعلومات والمشاعر، لتكوين تمثيل متكامل للحدث.

ماذا يحدث للخلايا العصبية أثناء التعلم؟
من أهم التغيرات التي تحدث خلال عملية التعلم تغير قوة الاتصالات بين الخلايا العصبية.

فعندما تنشط الخلايا المرتبطة بتجربة معينة، يمكن أن تصبح بعض الوصلات العصبية بينها أقوى، بينما تضعف وصلات أخرى. وتعد هذه التغيرات في قوة المشابك العصبية من الآليات الأساسية التي يستند إليها العلماء في تفسير كيفية تكوين الذكريات واستمرارها.

وتشير أبحاث علمية إلى آليات من بينها ما يعرف بـالمرونة التشابكية، والتي يمكن أن تساعد بعض خلايا الحُصين على تكوين تمثيلات جديدة استجابة للتجارب، حتى بعد تعرض واحد لها في بعض النماذج التجريبية.

النوم.. مرحلة مهمة لتثبيت الذاكرة
لا تنتهي عملية تكوين الذاكرة بمجرد انتهاء التجربة، إذ يستمر الدماغ في معالجة المعلومات خلال فترات الراحة والنوم.

وخلال النوم، يمكن أن يعيد الدماغ تنشيط أنماط من النشاط العصبي المرتبطة بالتجارب الحديثة، وهي عملية تعرف باسم إعادة التشغيل العصبي (Replay).

ويعتقد الباحثون أن هذه العملية تساهم في تثبيت الذكريات وتقوية الروابط العصبية المرتبطة بها، ضمن عملية أكبر تعرف باسم تدعيم الذاكرة (Memory Consolidation).

كما تشير دراسات حديثة إلى حدوث تغيرات جزيئية في أنواع مختلفة من خلايا الحُصين خلال المراحل المبكرة التي تلي التعلم، وهي تغيرات ترتبط بعملية تثبيت المعلومات.

الذكريات القديمة ليست نسخة ثابتة من الماضي
من المثير للاهتمام أن الذاكرة البشرية لا تعمل كنسخة حرفية لما حدث في الماضي. فعندما نسترجع تجربة قديمة، يمكن أن تتفاعل الذكرى مع معلومات وخبرات جديدة، وقد يعاد تنظيم بعض عناصرها.

وأظهرت دراسة نشرت في Nature Neuroscience عام 2026 أن قشرة الفص الجبهي يمكن أن تشارك في تنظيم كيفية دمج الذكريات الجديدة مع الخبرات السابقة داخل الحُصين، اعتمادًا على درجة التشابه بين التجارب.

لكن هذه النتائج جاءت من تجارب أجريت على الفئران، ولذلك لا يمكن اعتبارها وصفًا كاملًا لما يحدث في الدماغ البشري.

لماذا نتذكر بعض الأشياء وننسى أخرى؟
تتأثر قوة الذاكرة بمجموعة من العوامل، من بينها:

مستوى الانتباه أثناء حدوث التجربة.

قوة المشاعر المصاحبة للحدث.

مدى تكرار المعلومات أو التعرض لها.

جودة النوم.

ارتباط المعلومات الجديدة بمعارف وتجارب سابقة.

أهمية التجربة بالنسبة للشخص.

ولهذا السبب قد تبقى بعض الذكريات حاضرة لعشرات السنين، بينما تختفي تفاصيل حدث عابر خلال فترة قصيرة.

الذاكرة ليست ملفًا محفوظًا داخل المخ
تكشف الصورة الحديثة التي يرسمها علم الأعصاب أن الدماغ لا يتعامل مع الذكريات باعتبارها ملفات ثابتة محفوظة في مكان محدد، وإنما باعتبارها شبكات عصبية ديناميكية تتغير مع التعلم والخبرة والنوم واسترجاع المعلومات.

وبينما توصل العلماء إلى فهم أفضل للآليات التي تقف وراء تكوين الذكريات وتثبيتها واسترجاعها، لا تزال تفاصيل كثيرة حول هذه العملية المعقدة قيد البحث والدراسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى