اهم الأخبارمقالات

هل المِلكيّة شهادةُ ميلادِ الطبيب؟.. بقلم: أ.د. حسام عبد الغفار

بين أن تملك وأن تَقدِر مسافةٌ لا يقطعها صكُّ ملكية. فكم من مالكٍ عاجز، وكم من قادرٍ لا يملك. والطبُّ — وحده من بين العلوم — لا يُتعلَّم على الورق ولا يُختبر في القاعات؛ إنه العلمُ الوحيد الذي يكون فيه الامتحانُ إنساناً، والخطأُ فيه ليس درجةً تُخصم بل عمراً يُختصر.
من هنا يبدأ السؤال الذي شغل الرأي العام في الأسابيع الأخيرة: كليّاتُ طبٍّ خاصة تُدرِّس، وطلابٌ يتخرجون، ومستشفياتٌ جامعية لم تُبنَ بعد. ثم قرارٌ نقابيٌّ يلوِّح بغلق باب القيد أمام خريجيها. وبين الكلية والنقابة يقف شابٌّ قضى سبع سنواتٍ من عمره ودفعت أسرته من قوتها، ليجد نفسه — كما وُصف بلاغةً موجعة — «طبيباً مع إيقاف التنفيذ».
والأمانةُ تقتضي أن نضع الأرقام على الطاولة: لدينا نحو ٢٦ كلية طب حكومية، جميعها تمتلك مستشفياتٍ جامعية. وفي القطاع الخاص نحو ١٢ إلى ١٣ كلية، لا يملك منها المستشفى الجامعي المكتمل سوى عددٍ محدود، بينما بقيتها تُدرِّس طلابها في منشآتٍ لا تملكها. وقد تحرّك المجلس الأعلى للجامعات مؤخراً بقرارات غير مسبوقة — وقف قبولٍ، وتخفيض أعداد، واشتراط تشغيل المستشفى قبل بدء الدراسة — وهي خطواتٌ تُحسب له، لكنها تعالج المستقبل ولا تُجيب عن سؤال الحاضر: ماذا عن الدفعات التي تخرّجت بالفعل؟

أولاً: هل المِلكيّة هي الدليل؟
الإجابة الأمينة: الملكية قرينةٌ قوية، وليست برهاناً قاطعاً، ولا هي المعيار المعمول به عالمياً.
فأعرقُ كليات الطب في العالم لا تملك مستشفياتها. كلية طب هارفارد لا تملك حجراً واحداً في المستشفيات التي يتدرب فيها طلابها، وكليات الطب البريطانية تتدرب في مستشفيات هيئة الخدمات الصحية الوطنية دون أن تملكها. ومعايير الاعتماد الدولية — سواء معايير الاتحاد العالمي للتعليم الطبي أو معايير الاعتماد الأمريكية — لا تشترط التملك في نصٍّ واحد؛ بل تشترط شيئاً أدقّ وأصعب: إتاحةً مضمونة، ومستقرة، وموثّقة بعقودِ انتسابٍ ملزِمة ، تمنح الكلية سلطةً حقيقية على العملية التعليمية داخل موقع التدريب، لا مجرد إذنٍ بالمرور.
لكنّ هذا التمييز — وهنا بيت القصيد — ليس رخصةً للتفلّت، بل هو معيارٌ أشدّ صرامة لا أخفّ. لأن المِلكية شرطٌ يُثبَت بورقة، أما الأهلية التدريبية فتُثبَت بالقياس: كم سريراً تعليمياً لكل طالب؟ وما معدل إشغالها؟ وما تنوّع الحالات فيها (case mix)؟ وكم ولادةً وعمليةً وحالةَ طوارئ يشهدها الطالب فعلاً؟ وما نسبة المُشرِف إلى المتدربين؟ وأين سجل المهارات الموثّق لكل خريج؟
فالمشكلة الحقيقية في كليةٍ بلا مستشفى ليست غياب صكِّ الملكية؛ بل أنها — في الغالب — تجمع بين غياب الملكية وغياب البديل المنضبط : لا عقد انتساب ملزماً، ولا أسرّة مخصَّصة، ولا هيئة تدريس معيَّنة، ولا سجلَّ تدريبٍ يُراجَع. وحين يجتمع الغيابان، لا نكون بصدد نموذجٍ تعليميٍّ مختلف، بل بصدد تعليمٍ نظريٍّ لمهنةٍ عملية. وذلك وحده هو الخطر.

ثانياً: هل تملك النقابة منع القيد؟
هنا يلزم فصلُ ما اختلط: مشروعية القلق شيء، ومشروعية الأداة شيء آخر.
قلقُ النقابة مشروعٌ تماماً، بل هو من صميم رسالتها في حماية المهنة والمريض معاً، ولها كامل الحق في الإنذار والضغط والمطالبة والتصعيد. أما الأداة، فتحكمها اعتبارات ثلاثة:
الأول: أن أثر المنع أخطر مما يبدو. فالمادة ٧٥ من قانون نقابة الأطباء رقم ٤٥ لسنة ١٩٦٩ تعتبر من زاول المهنة دون قيد اسمه في الجدول العام مزاولاً بغير ترخيص، تسري عليه أحكام قانون العقوبات. أي أن رفض القيد ليس حجباً لعضويةٍ نقابية، بل تعطيلٌ فعليٌّ لحقٍّ دستوريٍّ في العمل رغم حصول صاحبه على مؤهلٍ معترفٍ به.
الثاني: أن شروط القيد وردت في القانون على سبيل الحصر. وسلطة لجنة القيد ومجلس النقابة في التحقق منها سلطةٌ مقيّدة لا تقديرية؛ فإذا استوفى الخريج الشروط المنصوص عليها — وأولها حصوله على بكالوريوس الطب من جامعةٍ مصرية معترف بها — فليس لجهةٍ أن تضيف شرطاً لم يستحدثه المشرِّع. والاعترافُ بالدرجة العلمية اختصاصٌ أصيلٌ للمجلس الأعلى للجامعات بحكم قانون تنظيم الجامعات وقانون الجامعات الخاصة والأهلية؛ والنقابة — بكل تقديرٍ لدورها — ليست جهة اعتمادٍ أكاديمي. وقد كفل القانون ذاته للمرفوض قيده أن يتظلم إلى مجلس النقابة خلال شهر، ثم أن يطعن على قرار الرفض أمام القضاء. أي أن المشرِّع نفسه لم يجعل قرار الرفض كلمةً نهائية.
الثالث — وهو الأهمّ خُلقياً: أن المسؤولية شخصية. الخريج لم يمنح كليته ترخيصاً، ولم يوقّع على تعهدٍ بإنشاء مستشفى، ولم يُخِلّ بشرط. أخطأت جهةٌ ودفع الثمنَ من لا يملك دفعه. وحين نعاقب الضحية بدل المُخالِف، لا نكون قد حمينا المهنة؛ نكون قد أضفنا إلى الخلل ظلماً.
الخلاصة: أن يكون الشرط مشروعاً في غايته لا يجعله سليماً في سنده، ولا عادلاً في محلّه.
ثالثاً: فأين المخرج؟
المخرج ليس في أن تتنازل النقابة عن هدفها، ولا في أن تُسوَّى الكليات جميعاً على مستوى الأضعف. المخرج في نقل بوابة الجودة من باب المؤسسة إلى باب المهنة، عبر مسارٍ من ست خطوات:
١. تحويل المعيار من «المِلكية» إلى «الأهلية التدريبية القابلة للقياس»: لائحة وطنية مُلزِمة تحدد الحد الأدنى من الأسرّة التعليمية لكل طالب، ومعدل الإشغال، وتنوع الحالات، ونسبة الإشراف، وساعات التماس السريري الموثَّقة. رقمٌ يُراجَع، لا وعدٌ يُقال.
٢. عقد الانتساب السريري المُلزِم بديلاً منضبطاً عن التملك: لا خطاب نوايا ولا مذكرة تفاهم، بل عقدٌ طويل الأجل يغطي دورة تعليمية كاملة، يمنح الكلية أسرّةً مخصَّصة وحقوقاً تعليمية وتعييناتٍ مشتركة لهيئة التدريس، ويتضمن ضماناتٍ عند الفسخ. ومن لم يملك ولم يتعاقد فقد فَقَدَ السندَين معاً.
٣. الاعتماد المزدوج: اعتماد الكلية أكاديمياً من الهيئة القومية لضمان جودة التعليم، واعتماد موقع التدريب صحياً من من المجلس الأعلى للمستشفيات الجامعية . فلا يكفي أن يكون للمستشفى بابٌ ولافتة.

٤. الامتحان الوطني الموحّد للترخيص:وهو الحل الجذري. امتحانٌ واحد لكل خريجي الطب في مصر — حكوميين وخاصين — بمكوّنٍ سريريٍّ موضوعيّ يُقاس فيه الأداء لا الحفظ. عندها يصبح الفيصل كفاءةَ الطبيب لا عنوانَ كليته، ويسقط الجدل من جذره؛ لأن ضعيف الإعداد لن يعبر مهما كانت كليته، ومتينَ الإعداد لن يُحجب مهما كانت.
٥. عقاب المؤسسة لا الطالب: وقف القبول، وتخفيض الأعداد، والغرامة، وسحب الترخيص، ونشر النتائج — هذه أدواتٌ تصيب المخطئ. أما إغلاق باب المهنة أمام الخريج فيصيب البريء. وللدفعات التي تخرّجت بالفعل: برنامج تدارُكٍ سريريٍّ إلزامي، محدد المدة، مموَّلٌ من جامعتها لا من جيب أسرتها، وينتهي بتقييمٍ مستقل.
٦. الشفافية بوصفها رقيباً: بطاقة تقريرٍ سنوية معلنة لكل كلية طب: نسبة الأسرّة إلى الطلاب، ومواقع التدريب المعتمدة، ونتائج خريجيها في الامتحان الوطني. حينها لا نحتاج إلى قرارٍ يمنع؛ لأن وليَّ الأمر سيقرأ قبل أن يدفع، والسوق سيصحّح قبل أن يتقاضى.
وبعد
المستشفى الجامعي ليس عقاراً في سجلٍّ عقاري؛ إنه بيئةٌ تُصنع: مريضٌ يُتابَع، وأستاذٌ يُشير، ومتدرِّبٌ يُخطئ فيُصحَّح قبل أن يصل خطؤه إلى أحد. وقد يجتمع هذا كله في مبنى مستأجَر، وقد يغيب كله في مبنى مملوك.
فلنحسم الأمر بمنطقٍ واحد: الملكيةُ سند، والكفاءةُ برهان، ولا يُقبَل السندُ بديلاً عن البرهان، ولا يُرفَض البرهانُ لغياب السند.
وليكن العهد أن نضبط الأبواب قبل أن يدخلها الناس، لا أن نُغلقها في وجوههم بعد أن دخلوا.
فما بُني على الحجر يبقى حجراً، وما بُني على الإنسان يصير طبيباً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى