اهم الأخبارمقالات

هشام الهلوتي يكتب.. معهد القلب ستون عامًا من العطاء

بعد حوالى شهر من الآن، يُكمل معهد القلب القومى ستين عاما من العطاء والتضحيات فى سبيل إنقاذ قلوب المصريين من مختلف أنحاء المحروسة.

ستون عامًا ظل خلالها معهد القلب القومى بإمبابة قلعة طبية شامخة، تستقبل يوميًا آلاف المرضى الذين أتوا إلى هذا الصرح العريق يحملون قلوبًا أثقلها المرض، ويحدوهم الأمل فى الشفاء. هنا لا تُقاس الأعمار بعدد السنوات فقط، بل بعدد الخفقات التى تنجح أيادٍ مخلصة فى إنقاذها، وبعدد الأسر التى استعادت الأمل بفضل جهود أطباء وتمريض وفنيين وهبوا حياتهم لخدمة المرضى.

ومنذ افتتاح المعهد فى 18 يوليو 1966، لم يُغلق بابه يومًا فى وجه مريض، ولم يتوقف عن استقبال الحالات الحرجة والطوارئ مهما كانت الظروف والتحديات. وكأى مؤسسة طبية كبرى فى مصر، قد يواجه أحيانًا ضغوطًا ناتجة عن تزايد أعداد المرضى أو محدودية بعض الإمكانات، إلا أن دعم الدولة ممثلة فى الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية ووزارة الصحة، إلى جانب مساهمات مؤسسات المجتمع المدنى، كان دائمًا عاملًا مهمًا فى تجاوز هذه التحديات واستمرار مسيرة العطاء.

ويتميز معهد القلب بطبيعة خاصة؛ فالمريض الذى يقصده غالبًا لا يحتمل الانتظار، وقد تكون دقائق معدودة هى الفارق بين الحياة والموت. ولذلك اكتسب المعهد على مدار ستة عقود ثقة المصريين، وأصبح الملاذ الآمن لكل من باغته ألم القلب، والنموذج الذى يجمع بين أحدث ما وصل إليه العلم وبين أسمى معانى الرسالة الإنسانية.

وخلال السنوات الأخيرة، وتحت قيادة الدكتور محمد عبد الهادى عميد المعهد، ونائبه الدكتور أحمد كامل، ونائبته الدكتورة رانيا أبو شقة، وبجهود نخبة من الأساتذة والأطباء والتمريض والعاملين، شهد المعهد طفرة ملحوظة فى مستوى الخدمات الطبية والتخصصات الدقيقة.

وبلغة الأرقام التى لا تعرف المبالغة، قدم المعهد خلال العام الماضى ما يقرب من 450 ألف خدمة طبية مجانية للمواطنين، وأجرى نحو 17,500 قسطرة قلبية بمختلف أنواعها، إضافة إلى 3,600 جراحة قلب كبرى، من بينها 1,680 عملية قلب مفتوح. كما استقبل مئات حالات الطوارئ الحرجة التى تم التعامل معها على مدار الساعة، محققًا معدلات أداء تُعد من الأعلى على مستوى الجمهورية.

والأهم من ذلك أن نسب النجاح فى العديد من العمليات والتدخلات الدقيقة بلغت مستويات تضاهى كبرى المراكز العالمية المتخصصة، رغم ما تتسم به الحالات التى يستقبلها المعهد من صعوبة وتعقيد، إذ غالبًا ما تُحال إليه الحالات الأكثر خطورة من مختلف المحافظات.

كما نجح المعهد فى إجراء 12 عملية زراعة صمام رئوى بالقسطرة التداخلية مجانًا للمرضى، رغم أن تكلفة العملية الواحدة تتجاوز مليون جنيه، فضلًا عن إجراء أربع عمليات باستخدام تقنية «MYVAL» الحديثة، وهو إنجاز يعكس قدرة الكوادر المصرية على مواكبة أحدث التطورات العالمية فى مجال أمراض وجراحات القلب.

ولا يقتصر دور معهد القلب القومى على تقديم الخدمة العلاجية فحسب، بل يمتد ليشمل دوره العلمى والتدريبى باعتباره مدرسة وطنية عريقة خرّجت آلاف الأطباء المتخصصين فى أمراض القلب وجراحاته على مدار عقود. كما يسهم المعهد فى تدريب الأجيال الجديدة ونقل الخبرات إلى المستشفيات والمراكز الطبية فى مختلف المحافظات، بما يعزز جودة الرعاية الصحية فى مصر كلها، وليس داخل جدرانه فقط.

وعلى مدار ستين عامًا، تعاقبت أجيال من الأساتذة والعلماء الذين أسهموا فى بناء هذه المؤسسة الوطنية العريقة، حتى أصبح اسم معهد القلب القومى مرادفًا للخبرة والكفاءة والثقة لدى ملايين المصريين والعرب.

كما يلعب معهد القلب القومى دورًا محوريًا فى دعم المنظومة الصحية على مستوى الجمهورية، حيث يستقبل الحالات المحولة من المستشفيات العامة والمركزية والجامعية بمختلف المحافظات، خاصة الحالات الحرجة والمعقدة التى تحتاج إلى خبرات وتجهيزات عالية التخصص.
كما يشارك بفاعلية فى المبادرات الصحية الرئاسية وبرامج الكشف المبكر عن أمراض القلب، إلى جانب تنظيم المؤتمرات العلمية وورش العمل التدريبية التى تسهم فى نقل أحدث الخبرات الطبية إلى الأطباء الشبان فى مختلف أنحاء مصر، بما يعزز فرص حصول المرضى على خدمات قلبية متقدمة أينما كانوا.

وفى الذكرى الستين لتأسيسه، يبقى معهد القلب القومى نموذجًا مضيئًا للمؤسسات الطبية المصرية التى صنعت تاريخها بالعلم والعمل والإخلاص، وسيظل، بإذن الله، حصنًا لحماية قلوب المصريين ومنارةً للطب المتخصص لعقود قادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى