
قد يفضل بعض الأشخاص الجلوس في المطاعم أو الأماكن العامة بحيث يكون الباب أمامهم مباشرة، أو يحرصون على معرفة مخارج أي مكان جديد، أو ينتفضون عند سماع صوت مرتفع، أو يشعرون بالقلق الشديد إذا تأخر أحد المقربين عن موعده. ورغم أن هذه التصرفات قد تبدو للبعض مجرد حذر أو قلق زائد، فإنها قد تعكس حالة نفسية تُعرف باسم فرط اليقظة، وهي حالة يبقى فيها الدماغ في وضع الاستعداد المستمر، حتى في غياب أي خطر حقيقي.
ما المقصود بفرط اليقظة؟
فرط اليقظة هو استجابة نفسية وعصبية تجعل الجسم في حالة تأهب دائم لمواجهة التهديدات المحتملة، وغالبًا ما يرتبط بالتعرض لصدمات نفسية أو الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD).
ووفقًا للمعهد الوطني الأمريكي للصحة العقلية (NIMH)، تشمل أبرز أعراض هذه الحالة سهولة الفزع، والتوتر المستمر، وصعوبة النوم، والشعور الدائم بوجود خطر، حتى في البيئات الآمنة.
لماذا يبقى الدماغ في حالة إنذار؟
لا تقتصر آثار الصدمات النفسية على الذكريات المؤلمة، بل قد تمتد إلى طريقة عمل الدماغ نفسه. فبعد التعرض لحادث، أو فقدان شخص عزيز، أو تجربة عنف جسدي أو نفسي، قد يستمر الجهاز العصبي في التعامل مع البيئة المحيطة وكأن التهديد لا يزال قائمًا.
وتوضح الأخصائية النفسية السريرية الدكتورة سوغامي راميش أن فرط اليقظة ليس مجرد شعور عابر، بل هو آلية دفاعية تستمر نتيجة زيادة نشاط اللوزة الدماغية، وهي المنطقة المسؤولة عن اكتشاف المخاطر وإطلاق إشارات الإنذار.
ولهذا السبب قد تتحول مواقف يومية عادية، مثل الضوضاء، أو الأماكن المزدحمة، أو حتى رنين الهاتف المفاجئ، إلى محفزات تثير الخوف والقلق.
علامات فرط اليقظة
يشير خبراء الصحة النفسية إلى أن أعراض فرط اليقظة قد تظهر على المستويين الجسدي والمعرفي.
أعراض جسدية
الشعور بالإرهاق رغم الحصول على ساعات نوم كافية.
توتر العضلات وآلام متكررة في الجسم.
الأرق أو صعوبة النوم.
تجنب الأماكن المزدحمة أو التجمعات الاجتماعية.
مراقبة الأشخاص باستمرار وتحليل تعبيرات وجوههم ولغة أجسادهم.
أعراض معرفية
صعوبة التركيز.
الإرهاق الذهني بسبب توقع أسوأ السيناريوهات باستمرار.
الانشغال الدائم بالبحث عن أي مصدر محتمل للخطر.
كيف يؤثر فرط اليقظة على الصحة؟
يحذر الخبراء من أن البقاء لفترات طويلة في حالة تأهب مستمرة يؤدي إلى ارتفاع مستويات هرمونات التوتر، ويؤثر سلبًا في جودة النوم، وقد يسبب زيادة معدل ضربات القلب، كما ينعكس على العلاقات الاجتماعية والأداء في العمل أو الدراسة، لأن الدماغ يظل منشغلًا برصد المخاطر بدلًا من التركيز على الأنشطة اليومية.
وتشير أبحاث المركز الوطني الأمريكي لاضطراب ما بعد الصدمة إلى أن استمرار هذه الحالة دون علاج قد يؤثر في الصحة النفسية والجسدية ويقلل من جودة الحياة.
هل يمكن التعافي؟
يؤكد المتخصصون أن الدماغ قادر على استعادة شعوره بالأمان مع العلاج المناسب، وأن الهدف من العلاج ليس محو الذكريات المؤلمة، وإنما تغيير طريقة استجابة الدماغ لها وتقليل تأثيرها.
ومن أكثر الأساليب العلاجية فعالية:
العلاج السلوكي المعرفي (CBT): يساعد على تعديل أنماط التفكير المرتبطة بالخوف والقلق.
العلاج بإزالة التحسس وإعادة المعالجة بحركة العين (EMDR): يساهم في تقليل التأثير العاطفي للذكريات الصادمة وتحسين الاستجابة لها.
ويشير الخبراء إلى أن التعافي يحدث تدريجيًا، وقد يبدأ بخطوات بسيطة، مثل النوم بشكل أفضل، أو دخول مكان مزدحم دون شعور بالخوف، أو الجلوس في مكان عام دون الحاجة المستمرة لمراقبة الأبواب والمخارج.
ويشدد الأطباء على أن طلب المساعدة النفسية ليس دليلًا على الضعف، بل خطوة مهمة نحو استعادة الشعور بالأمان، وتحسين الصحة النفسية، والعودة إلى ممارسة الحياة اليومية بصورة أكثر راحة واستقرارًا.





