
يُعد الحديد من العناصر الغذائية الأساسية التي يحتاج إليها الجسم للقيام بالعديد من وظائفه الحيوية، وعلى رأسها إنتاج الهيموجلوبين، وهو البروتين الموجود في خلايا الدم الحمراء والمسؤول عن نقل الأكسجين إلى مختلف أنحاء الجسم.
ورغم أن تناول الأطعمة الغنية بالحديد يمثل خطوة مهمة للحفاظ على مستوياته الطبيعية، فإن بعض الأشخاص قد يعانون انخفاض الحديد بشكل مستمر رغم اتباع نظام غذائي مناسب. وقد يرجع ذلك إلى ضعف امتصاص الحديد، أو فقدانه من الجسم، أو زيادة احتياجات الجسم إليه.
وفي حال انخفاض مخزون الحديد بدرجة كبيرة، قد يتطور الأمر إلى الإصابة بفقر الدم الناتج عن نقص الحديد، والذي قد تظهر معه أعراض مثل التعب المستمر، والضعف، وضيق التنفس، والصداع، وخفقان القلب.
لماذا ينخفض الحديد رغم تناول الأطعمة الغنية به؟
لا يعتمد مستوى الحديد في الجسم على كمية الحديد التي يتم الحصول عليها من الطعام فقط، بل يرتبط أيضًا بقدرة الجسم على امتصاصه والاستفادة منه والحفاظ على مخزونه. ومن أبرز الأسباب التي قد تؤدي إلى استمرار انخفاض مستوياته:
1. ضعف امتصاص الحديد
تناول الأطعمة الغنية بالحديد لا يعني بالضرورة أن الجسم سيمتص الكمية الموجودة فيها بالكامل، إذ تختلف كفاءة الامتصاص بحسب نوع الحديد ومصدره.
ويُمتص الحديد الهيمي، الموجود بصورة أساسية في اللحوم والأسماك، بكفاءة أكبر عادةً من الحديد غير الهيمي الموجود في المصادر النباتية، مثل الفاصوليا والعدس والمكسرات والبذور والخضراوات الورقية.
كما يمكن لبعض الأطعمة والمشروبات أن تقلل من امتصاص الحديد، ومن بينها الشاي والقهوة، بسبب احتوائهما على مركبات قد تعيق عملية الامتصاص. كذلك قد يؤثر تناول كميات كبيرة من منتجات الألبان بالتزامن مع الوجبات الغنية بالحديد في الاستفادة منه.
وفي المقابل، يمكن تعزيز امتصاص الحديد غير الهيمي من خلال تناوله مع مصادر غنية بفيتامين C، مثل الحمضيات والطماطم والفلفل.
2. فقدان الدم بصورة مستمرة
يُعد فقدان الدم أحد الأسباب الشائعة لنقص الحديد، إذ قد يفقد الجسم كميات من الحديد تفوق ما يستطيع تعويضه من خلال النظام الغذائي.
وتُعد غزارة الدورة الشهرية من أبرز أسباب فقدان الحديد لدى النساء، خاصة عندما تستمر الدورة لأكثر من سبعة أيام، أو يصاحبها نزول جلطات دموية كبيرة، أو تؤثر في القدرة على ممارسة الأنشطة اليومية بصورة طبيعية.
كما يمكن أن يؤدي النزيف في الجهاز الهضمي إلى انخفاض مستويات الحديد، وقد يرتبط ذلك ببعض الحالات، مثل قرحة المعدة، والتهابات الجهاز الهضمي، والبواسير، بالإضافة إلى بعض الأدوية، ومنها بعض مسكنات الألم المضادة للالتهابات.
3. الإصابة بحالة معوية تؤثر في امتصاص الحديد
يمكن لبعض أمراض الجهاز الهضمي أن تؤثر في قدرة الجسم على امتصاص العناصر الغذائية، ومن بينها الحديد.
ويأتي مرض السيلياك ضمن أبرز هذه الحالات، إذ قد يؤدي إلى تلف بطانة الأمعاء الدقيقة، ما يقلل من قدرتها على امتصاص العناصر الغذائية، وقد ينتج عن ذلك فقر الدم الناتج عن نقص الحديد.
ولا يصاحب مرض السيلياك دائمًا أعراض هضمية واضحة، لذلك قد يكون نقص الحديد أو فقر الدم غير المبرر سببًا يدفع الطبيب إلى إجراء فحوصات للكشف عنه.
كما يمكن لبعض أمراض الأمعاء الأخرى، بالإضافة إلى بعض أنواع جراحات المعدة، أن تؤثر في قدرة الجسم على امتصاص الحديد.
4. زيادة احتياجات الجسم من الحديد
قد لا يكون انخفاض مستوى الحديد ناتجًا عن عدم الحصول على كمية كافية منه، وإنما عن زيادة احتياجات الجسم إليه.
وتزداد الحاجة إلى الحديد بشكل خاص خلال فترة الحمل، إذ يحتاج الجسم إلى كميات إضافية لدعم نمو الجنين وإنتاج المزيد من الدم.
وفي هذه المرحلة، قد لا يكون النظام الغذائي وحده كافيًا لتغطية الاحتياجات المتزايدة من الحديد، حتى مع اتباع نظام غذائي متوازن.
5. عدم الحصول على كمية كافية من الحديد
قد تحتوي بعض الأطعمة على الحديد، لكن كمية الحديد التي يحصل عليها الجسم فعليًا والقابلة للامتصاص قد تكون أقل مما تبدو عليه.
وتحتوي المصادر النباتية بشكل أساسي على الحديد غير الهيمي، الذي تختلف نسبة امتصاصه بحسب نوع الطعام والأطعمة والمشروبات المصاحبة له.
لذلك، من المهم تنويع مصادر الحديد في النظام الغذائي، بحيث تشمل البقوليات والفاصوليا والحبوب المدعمة والمكسرات والبذور والخضراوات الورقية، مع مراعاة الاحتياجات الفردية لكل شخص.
6. وجود مشكلة صحية كامنة
قد يكون انخفاض الحديد أو الإصابة بفقر الدم مرتبطًا بمشكلة صحية أخرى، وليس بالنظام الغذائي وحده.
فبعض الأمراض المزمنة، مثل أمراض الكلى والالتهابات طويلة الأمد، يمكن أن تؤثر في إنتاج خلايا الدم الحمراء أو في طريقة تعامل الجسم مع الحديد والاستفادة منه.
لذلك، لا ينبغي افتراض أن النظام الغذائي هو السبب الوحيد وراء انخفاض مستويات الحديد أو الهيموجلوبين، خاصة إذا استمرت المستويات منخفضة رغم إجراء تغييرات غذائية أو تناول مكملات الحديد التي وصفها الطبيب.
7. قد لا يكون الطعام وحده كافيًا لتعويض مخزون الحديد
عندما يكون نقص الحديد شديدًا أو يكون مخزون الجسم قد استُنزف بدرجة كبيرة، فقد لا تكون زيادة تناول الأطعمة الغنية بالحديد وحدها كافية لاستعادة المخزون خلال فترة قصيرة.
وفي مثل هذه الحالات، قد يصف الطبيب مكملات الحديد وفقًا لدرجة النقص والسبب وراء حدوثه، مع متابعة تحاليل الدم للتأكد من استجابة الجسم للعلاج.
ومع ذلك، لا يُنصح بتناول مكملات الحديد من تلقاء النفس، إذ إن الإفراط في تناوله قد يسبب آثارًا جانبية، كما أن علاج نقص الحديد دون معرفة سببه قد يؤدي إلى إغفال مشكلة صحية تحتاج إلى علاج.
ماذا تفعل إذا ظل مستوى الحديد منخفضًا؟
إذا استمر انخفاض مستوى الحديد رغم اتباع نظام غذائي متوازن وغني بمصادر الحديد، فمن الأفضل استشارة الطبيب لتحديد السبب بدلًا من زيادة كمية الحديد المتناولة بصورة عشوائية.
وقد يعتمد تقييم الحالة على النظام الغذائي، والأعراض المصاحبة، والتاريخ الطبي، واحتمالية وجود فقدان للدم، إلى جانب نتائج تحاليل الدم.
ويُعد تحديد السبب الأساسي لنقص الحديد خطوة مهمة للوصول إلى العلاج المناسب، خاصة عندما لا يستجيب مستوى الحديد للتغييرات الغذائية وحدها.





