مقالات

هل نحتاج فعلًا إلى مدينة طبية؟ بقلم هشام الهلوتى

في منتصف الشهر الجاري، استقبل الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، وفدًا يضم ممثلين عن مجموعة حسن علام القابضة والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، لبحث سبل التعاون في تنفيذ مشروع المدينة الطبية التابعة للهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية.

ووفقًا لما أُعلن، يمتد المشروع على مساحة 221 فدانًا، ويضم 18 معهدًا طبيًا بسعة تتجاوز أربعة آلاف سرير، إلى جانب خدمات العناية المركزة والمتوسطة، وحضانات الأطفال المبتسرين، والاستقبال والطوارئ، والعيادات الخارجية، وغرف العمليات، بما يهدف إلى إنشاء منظومة علاجية وتعليمية وبحثية متكاملة وفق أحدث المعايير العالمية.

لكن، بعيدًا عن أهمية تطوير القطاع الصحي، تظل هناك مجموعة من التساؤلات التي تستحق إجابات واضحة قبل البدء في تنفيذ مشروع بهذا الحجم.

أول هذه التساؤلات يتعلق بأولوية المشروع، خاصة إذا كانت تكلفته التقديرية، وفق الأسعار الحالية، تقترب من 70 مليار جنيه. فهل الأولوية اليوم لإنشاء مدينة طبية جديدة، أم لتطوير المستشفيات القائمة التي تعاني بالفعل من نقص الكوادر والتجهيزات والمستلزمات؟

أما السؤال الثاني فيتعلق بالموقع. فالمدينة المزمع إنشاؤها على طريق العين السخنة، على مسافة تقارب 60 كيلومترًا من القاهرة. فهل يتناسب هذا الموقع مع طبيعة الخدمة الصحية التي يحتاجها المواطن، خصوصًا في الحالات الحرجة مثل الجلطات الدماغية والأزمات القلبية، حيث تعني كل دقيقة فارقًا بين الحياة والموت؟ وكيف سيتمكن المرضى وذووهم من تحمل أعباء الانتقال المتكرر في ظل ارتفاع تكاليف المواصلات؟

كما يبرز تساؤل آخر حول آلية تشغيل هذا الصرح الطبي الضخم. فمن أين ستأتي الكوادر الطبية اللازمة لتشغيل 18 معهدًا ومستشفى، في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية من عجز واضح في الأطباء وأطقم التمريض، نتيجة الهجرة المستمرة للخارج وضعف الحوافز وبيئة العمل؟

ولدينا بالفعل مستشفيات عريقة تحتاج إلى دعم عاجل، مثل بولاق العام، وبولاق الدكرور، والساحل التعليمي، وأحمد ماهر، ومعهد السكر، وغيرها من المؤسسات التي تقدم خدماتها يوميًا لملايين المواطنين، لكنها تواجه تحديات كبيرة في الموارد البشرية والإمكانات.

ولا يزال الرأي العام بحاجة أيضًا إلى مزيد من الوضوح بشأن طبيعة الشراكة في المشروع. فما حجم مساهمة كل طرف في التمويل والتنفيذ؟ وهل سيكون المشروع موجهًا بالأساس لخدمة المواطن المصري، أم سيكون له بعد استثماري يستهدف السياحة العلاجية إلى جانب دوره الخدمي؟

ومن الضروري كذلك توضيح ما إذا كانت المعاهد التعليمية الحالية، مثل معهد القلب، ومعهد الكبد، ومعهد الرمد، وغيرها، ستنتقل بالكامل إلى المدينة الجديدة، أم ستستمر في مواقعها الحالية بالتوازي مع المشروع الجديد، حتى لا يحدث أي ارتباك في تقديم الخدمات العلاجية.

وأخيرًا، فإن أي مشروع صحي عملاق لا تُقاس أهميته بحجم المباني أو عدد الأسرة فقط، وإنما بقدرته على الوصول إلى المريض في الوقت المناسب، وتوفير كوادر مؤهلة وتشغيل مستدام وخدمة علاجية ذات جودة.
فالمواطن المصري لا يبحث عن مستشفى فاخر بقدر ما يبحث عن مستشفى قريب، قادر على إنقاذ حياته عندما يحتاج إليه. وربما يكون تطوير المستشفيات القائمة، ودعمها بالكوادر والإمكانات، هو الطريق الأسرع والأكثر تأثيرًا في تحسين مستوى الخدمة الصحية للمواطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى