
طلا يقتصر دور الغذاء على توفير الطاقة اللازمة للجسم، بل يمتد إلى دعم وظائف الدماغ والمساعدة على تنظيم الحالة المزاجية والانتباه والذاكرة. فالعناصر الغذائية التي يحصل عليها الإنسان من الوجبات اليومية تدخل في عمليات حيوية مهمة، من بينها إنتاج النواقل العصبية والحفاظ على كفاءة الخلايا العصبية.
وفي هذا السياق، توضح طبيبة الأعصاب الدكتورة أولجا بوتينكو، وفقا لموقع «Health»، أهمية بعض العناصر الغذائية في دعم وظائف الجهاز العصبي، مشيرة إلى دور الأحماض الأمينية والدهون الصحية والكربوهيدرات المعقدة والفيتامينات في الحفاظ على التركيز والتوازن النفسي. ومع ذلك، تظل الحالة المزاجية والقدرات العقلية نتاج عوامل متعددة، تشمل التغذية والنوم والنشاط البدني والصحة العامة.
التربتوفان والسيروتونين لتنظيم المزاج والنوم
يحتاج الدماغ إلى مجموعة من العناصر الغذائية التي تسهم في إنتاج النواقل العصبية، وهي مواد كيميائية تساعد الخلايا العصبية على التواصل فيما بينها، وتشارك في تنظيم النوم والانتباه والاستجابة للتوتر.
ويأتي حمض التربتوفان الأميني ضمن هذه العناصر، إذ يستخدمه الجسم في تصنيع السيروتونين، وهو ناقل عصبي يرتبط بتنظيم المزاج والنوم وبعض الوظائف الأخرى.
ويمكن الحصول على التربتوفان من مصادر غذائية متنوعة، تشمل منتجات الألبان والبيض والأسماك والديك الرومي والمكسرات والبقوليات، كما يسهم الموز في توفير عناصر غذائية مفيدة ضمن النظام الغذائي المتوازن.
ولا يعني تناول الأطعمة الغنية بالتربتوفان تحسنا فوريا في المزاج أو النوم، لكنه يساعد على توفير العناصر اللازمة للعمليات الحيوية الطبيعية في الجسم.
التيروسين ودوره في التركيز واليقظة
يعد التيروسين من الأحماض الأمينية التي يستخدمها الجسم في إنتاج الدوبامين والنورأدرينالين، وهما ناقلان عصبيان يشاركان في تنظيم الانتباه واليقظة والدافعية والاستجابة للمواقف المختلفة.
وتشمل المصادر الغذائية للتيروسين الأطعمة الغنية بالبروتين، مثل اللحوم والجبن القريش والبيض والأسماك، إلى جانب المكسرات والبقوليات.
ويساعد تناول مصادر متنوعة من البروتين ضمن الوجبات اليومية على تلبية احتياجات الجسم من الأحماض الأمينية اللازمة لوظائفه الطبيعية، بما يدعم صحة الجهاز العصبي. ومع ذلك، لا يعني تناول هذه الأطعمة بالضرورة زيادة التركيز بصورة مباشرة، إذ تتأثر القدرة على الانتباه أيضا بجودة النوم والإجهاد والحالة الصحية العامة.
أحماض أوميجا-3 ودورها في صحة الدماغ
تؤدي أحماض أوميجا-3 الدهنية دورا مهما في صحة الدماغ، إذ يدخل بعضها في تركيب أغشية الخلايا العصبية ويسهم في الحفاظ على بنيتها ووظائفها.
وتوجد هذه الأحماض في الأسماك الدهنية، مثل السلمون والرنجة، كما توفر بعض المصادر النباتية، مثل الجوز وبذور الكتان، أنواعا أخرى من أوميجا-3.
ويساعد إدراج هذه الأطعمة ضمن النظام الغذائي على توفير الدهون الأساسية التي يحتاج إليها الجسم، مع أهمية تنويع المصادر الغذائية وعدم الاعتماد على نوع واحد من الطعام.
الكربوهيدرات المعقدة واستقرار الطاقة
يحتاج الدماغ إلى الجلوكوز للحصول على الطاقة اللازمة لأداء وظائفه، ولذلك قد يساعد اختيار مصادر الكربوهيدرات الغنية بالألياف على توفير الطاقة بصورة أكثر استقرارا مقارنة ببعض الأطعمة الغنية بالسكريات المضافة.
وتشمل هذه المصادر الشوفان والحنطة السوداء والأرز البني والخبز المصنوع من الحبوب الكاملة، وهي أطعمة تساعد أيضا على زيادة تناول الألياف ضمن النظام الغذائي.
ويسهم تناول وجبات متوازنة تحتوي على الكربوهيدرات المعقدة والبروتين والدهون الصحية في تلبية احتياجات الجسم الغذائية، وقد يساعد على الحد من التقلبات المرتبطة بالجوع وتفاوت الطاقة خلال اليوم، بما يدعم القدرة على مواصلة الأنشطة اليومية.
محور الأمعاء والدماغ.. كيف ترتبط صحة الجهاز الهضمي بالمزاج؟
ترتبط صحة الجهاز الهضمي بوظائف الدماغ من خلال ما يعرف بمحور الأمعاء والدماغ، وهو شبكة من الاتصالات المتبادلة بين الجهاز الهضمي والجهاز العصبي، تتضمن إشارات عصبية وهرمونية ومناعية.
وتؤدي البكتيريا النافعة الموجودة في الأمعاء دورا في هذه المنظومة، ويمكن دعم تنوعها من خلال تناول الأطعمة الغنية بالألياف، مثل الخضراوات الورقية والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة.
وتوفر هذه الأطعمة أيضا الفيتامينات والمعادن ومضادات الأكسدة اللازمة للعديد من الوظائف الحيوية. ومع ذلك، لا يعني دعم صحة الأمعاء أن نوعا معينا من الطعام يعالج القلق أو الاكتئاب، إذ لا تزال العلاقة بين الميكروبيوم المعوي والصحة النفسية مجالا للدراسة.
فيتامينات ب ودعم الجهاز العصبي
تشارك فيتامينات المجموعة ب في عمليات حيوية مهمة، من بينها تحويل الغذاء إلى طاقة والمساعدة على أداء الجهاز العصبي وظائفه بصورة طبيعية.
وتوجد هذه الفيتامينات في مصادر متعددة، مثل الحبوب الكاملة والبيض ومنتجات الألبان واللحوم والبقوليات والخضراوات الورقية، مع اختلاف نوع الفيتامين وكميته بين الأطعمة.
ويعد الحصول على كميات كافية من فيتامينات ب أمرا مهما للحفاظ على الصحة العامة، خاصة أن نقص بعض هذه الفيتامينات قد يرتبط بالتعب ومشكلات عصبية أو إدراكية. أما تناول كميات إضافية منها دون وجود نقص، فلا يضمن تحسنا في الذاكرة أو المزاج.
عادات غذائية تساعد على دعم صحة الدماغ
للحفاظ على صحة الدماغ والقدرات العقلية، ينصح بالاهتمام بتنوع الوجبات اليومية، وتناول مصادر البروتين والدهون الصحية والحبوب الكاملة والخضراوات والفواكه، مع الحد من الإفراط في السكريات المضافة والأطعمة منخفضة القيمة الغذائية.
كما يساعد شرب الماء بانتظام والحصول على قسط كاف من النوم وممارسة النشاط البدني في دعم الصحة العامة والوظائف العقلية.
وفي النهاية، تمثل التغذية المتوازنة أحد العوامل المهمة للحفاظ على صحة الدماغ ودعم وظائفه، لكنها ليست وسيلة منفردة لعلاج اضطرابات المزاج أو ضعف التركيز. وإذا استمر الشعور بالإرهاق أو تراجع التركيز أو ظهرت أعراض نفسية تؤثر في الحياة اليومية، فمن الأفضل استشارة الطبيب لتقييم الأسباب وتحديد الرعاية المناسبة.





