
قد لا تتوقف مخاطر تناول الشاي والقهوة على نوع المشروب أو عدد الأكواب اليومية فقط، إذ تشير دراسة حديثة إلى أن درجة حرارة المشروبات الساخنة قد ترتبط أيضا بخطر الإصابة بسرطان المريء، خاصة سرطان الخلايا الحرشفية، وهو أحد الأنواع الرئيسية للمرض.
ووفقا لدراسة أجراها باحثون من جامعة أكسفورد، ونشرت في مجلة «International Journal of Cancer»، فإن الأشخاص الذين يفضلون تناول المشروبات شديدة السخونة كانوا أكثر عرضة للإصابة بهذا النوع من السرطان مقارنة بمن يفضلون المشروبات الدافئة. وتشير النتائج إلى أهمية ترك المشروبات لتبرد قليلا قبل تناولها، مع التأكيد أن الدراسة رصدية ولا تثبت وحدها وجود علاقة سببية مباشرة.
ما درجة حرارة المشروبات التي تستدعي الحذر؟
صنفت الوكالة الدولية لبحوث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية، عام 2016، تناول المشروبات شديدة السخونة، التي تتجاوز حرارتها 65 درجة مئوية عند الشرب، ضمن العوامل التي يحتمل أن تكون مسرطنة للبشر.
وجاء هذا التصنيف استنادا إلى أدلة ربطت تناول المشروبات شديدة السخونة بزيادة خطر الإصابة بسرطان المريء، خاصة في المناطق التي يشيع فيها تناول الشاي أو مشروب المتة بدرجات حرارة مرتفعة.
ولا تعني هذه الدرجة أن هناك حدا فاصلا يضمن الأمان الكامل لكل شخص، لكنها تمثل عتبة تصنيفية استخدمتها الوكالة في تقييم المخاطر. لذلك، ينصح بتجنب شرب المشروبات وهي شديدة السخونة، والانتظار حتى تنخفض حرارتها وتصبح مناسبة للشرب دون التسبب في إحساس بالحرقان.
دراسة على نحو مليون شخص تكشف العلاقة بين الحرارة والسرطان
حلل باحثون من جامعة أكسفورد بيانات مجموعتين بحثيتين كبيرتين في المملكة المتحدة، هما دراسة المليون امرأة وبنك المملكة المتحدة الحيوي، وشملت البيانات 977 ألفا و282 مشاركا.
وأجاب المشاركون عن أسئلة تتعلق بعاداتهم في تناول الشاي والقهوة، وعدد الأكواب التي يشربونها يوميا، ودرجة الحرارة التي يفضلونها، سواء كانت دافئة أو ساخنة أو شديدة السخونة.
وخلال فترة المتابعة، رصد الباحثون 2348 حالة إصابة بسرطان المريء، منها 1045 حالة من سرطان الخلايا الحرشفية، و1303 حالات من السرطان الغدي.
وهدفت الدراسة إلى تقييم العلاقة بين درجة حرارة المشروبات وعدد مرات تناولها، مع التمييز بين النوعين الرئيسيين للمرض، بدلا من التعامل مع سرطان المريء باعتباره حالة واحدة.
كيف ترتبط حرارة المشروبات بزيادة خطر الإصابة؟
أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين وصفوا مشروباتهم بأنها شديدة السخونة كانوا أكثر عرضة للإصابة بسرطان الخلايا الحرشفية في المريء بنحو 3.17 مرة مقارنة بمن يفضلون المشروبات الدافئة، بعد مراعاة عدد المشروبات التي يتناولونها.
كما ارتبط تفضيل المشروبات الساخنة، مقارنة بالدافئة، بزيادة خطر الإصابة بهذا النوع من السرطان بنسبة 69%.
ولم تقتصر النتائج على درجة الحرارة، إذ تبين أن الأشخاص الذين يتناولون 6 مشروبات ساخنة أو أكثر يوميا كانوا أكثر عرضة للإصابة بسرطان الخلايا الحرشفية بنسبة 71% مقارنة بمن يتناولون أقل من 6 مشروبات يوميا، بعد مراعاة درجة حرارة المشروب.
لكن هذه الارتباطات لم تظهر بالطريقة نفسها بالنسبة إلى السرطان الغدي في المريء، وهو نوع آخر من المرض، ما يشير إلى أن العلاقة بين حرارة المشروبات وخطر السرطان قد تختلف بحسب نوع الورم.
ومن المهم التأكيد أن هذه الأرقام تعبر عن اختلاف في الخطر النسبي بين مجموعات الدراسة، ولا تعني أن كل شخص يتناول مشروبا شديد السخونة سيصاب بالسرطان.
هل تختلف المخاطر بين الشاي والقهوة؟
لم يجد الباحثون اختلافا واضحا في العلاقة بين درجة حرارة المشروب وخطر الإصابة بسرطان الخلايا الحرشفية بحسب ما إذا كان المشاركون يفضلون الشاي أو القهوة.
كما لم يظهر أن إضافة الحليب أحدث تغييرا ملحوظا في العلاقة المرتبطة بدرجة الحرارة، ما يدعم احتمال أن تكون الحرارة نفسها عاملا مهما في هذا الارتباط، وليس نوع المشروب وحده.
وتشير النتائج إلى أن التركيز على درجة الحرارة التي يتم عندها تناول المشروب قد يكون مهما للوقاية، بصرف النظر عن الاختيار بين الشاي والقهوة.
كيف قد تؤثر المشروبات شديدة السخونة في المريء؟
يرجح الباحثون أن التعرض المتكرر لدرجات الحرارة المرتفعة قد يتسبب في إصابات حرارية ببطانة المريء، ما يؤثر في سلامة الخلايا والأنسجة، وقد يسهم مع مرور الوقت في عمليات مرتبطة بتطور السرطان.
وتدعم بعض الدراسات السابقة على الحيوانات هذا التفسير، إذ ربطت التعرض للماء شديد السخونة بتلف أنسجة المريء وظهور تغيرات قد تسبق السرطان في ظروف تجريبية معينة.
ومع ذلك، لم تختبر الدراسة الحديثة الآليات البيولوجية بصورة مباشرة، ولذلك لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لتحديد كيفية تأثير الحرارة في أنسجة المريء ومدى مساهمتها في تطور المرض لدى البشر.
هل يمكن الوقاية من بعض الحالات بخفض حرارة المشروبات؟
قدر الباحثون أنه إذا خفض الأشخاص الذين يفضلون المشروبات شديدة السخونة درجة الحرارة إلى مستوى ساخن أقل، فقد يصبح من الممكن تجنب نسبة من حالات سرطان الخلايا الحرشفية في المريء المرتبطة بهذا العامل.
وبحسب تقديرات الدراسة، قد يسهم هذا التغيير في الوقاية من نحو 14% من حالات هذا النوع من السرطان في المملكة المتحدة، بما يعادل نحو 440 حالة سنويا، بافتراض أن العلاقة المرصودة سببية.
لكن هذا التقدير ليس ضمانا لعدد الحالات التي يمكن منعها فعليا، إذ يعتمد على افتراض وجود علاقة سببية بين درجة حرارة المشروبات وخطر الإصابة.
كما اعتمد الباحثون على وصف المشاركين لدرجة الحرارة التي يفضلونها، ولم يقيسوا درجة حرارة المشروبات فعليا عند تناولها، وهو ما يعد من القيود التي ينبغي مراعاتها عند تفسير النتائج.
نصائح لتناول الشاي والقهوة بطريقة أكثر أمانا
يمكن اتباع بعض العادات البسيطة لتقليل التعرض لحرارة المشروبات المرتفعة، من أهمها الانتظار بعد إعداد الشاي أو القهوة حتى تنخفض حرارتهما، وتجنب شربهما مباشرة وهما يغليان أو يسببان إحساسا بالحرقان، وعدم الاعتماد على إضافة الحليب وحدها باعتبارها وسيلة مضمونة لخفض المخاطر.
وفي النهاية، لا تثبت الدراسة أن الشاي أو القهوة يسببان السرطان بصورة مباشرة، لكنها تدعم أهمية تجنب تناول المشروبات شديدة السخونة. ويظل ترك المشروب ليبرد إلى درجة مريحة قبل الشرب إجراء بسيطا يمكن اتباعه لتقليل التعرض المتكرر للحرارة المرتفعة.





